فراس النعسان : الفرصة التي ضاعت
لم يكن الحكم القضائي الذي قيّد قدرة دونالد ترامب على فرض رسوم جمركية شاملة على الصين مجرد قرار قانوني عادي، بل لحظة كشفت حدود القدرة الأمريكية على فرض إيقاع المواجهة الاقتصادية مع بكين. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تسعى إلى استخدام أقسى أدوات الضغط لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية على حساب الصين، جاء القرار ليوقف هذا المسار فجأة، ويمنح بكين ما تحتاجه أي قوة صاعدة في لحظة حصار: وقتًا ومساحةً لإعادة التموضع. وهنا تحديدًا ظهرت المفارقة؛ إذ لم تخسر الصين جولة، بل ربحت زمنًا.
الرهان الأمريكي كان يقوم على فكرة واضحة، رفع كلفة الإنتاج في الصين إلى حد يدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مصانعها خارجها، بما يضعف موقعها بوصفها مركز التصنيع العالمي. ولو تحقق ذلك على نطاق واسع، لكان النفوذ الاقتصادي الصيني - الذي يشكل أحد أهم مصادر قوتها الدولية - قد تعرض لاختبار قاسٍ. غير أن ما حدث فعليًا هو العكس تقريبًا: تقليص الرسوم أعاد جزءًا كبيرًا من التوازن إلى معادلة الكلفة، فبقيت الصين الخيار الأكثر جدوى للشركات التي تعتمد على بنيتها الصناعية المتكاملة.
بهذا المعنى، لم تكن المسألة انتصارًا صينيًا مباشرًا بقدر ما كانت تفاديًا ذكيًا لضربة كان يمكن أن تكون موجعة. فبكين تدرك أن أخطر ما في الحروب التجارية ليس استمرار الضغط، بل الصدمة المفاجئة التي تغيّر سلوك السوق سريعًا. ومع سقوط أداة الرسوم الشاملة، انتقلت المواجهة من محاولة إحداث نزوح صناعي حاد إلى منافسة أطول أمدًا وأبطأ إيقاعًا، وهي البيئة التي تتفوق فيها الصين بحكم حجم اقتصادها وقدرتها على التخطيط طويل المدى.
اللافت أن هذا التحول جاء قبيل قمة مرتقبة بين ترامب وشي جين بينغ، حيث كانت بكين تسعى إلى تثبيت هدنة اقتصادية وتخفيف القيود التكنولوجية. وعندما تصل قوة عظمى إلى التفاوض بعد أن فقدت إحدى أدوات ضغطها الأساسية، يتبدل ميزان القوة حتى لو بقي الخطاب السياسي حادًا. الصين لا تحتاج إلى مكاسب استعراضية؛ يكفيها الحفاظ على الاستقرار ومنع التصعيد. أما واشنطن، فكانت تحتاج إلى إنجاز قابل للتسويق الداخلي، وهو ما يمنح بكين مساحة أوسع للمناورة الهادئة.
تكشف هذه اللحظة اختلافًا عميقًا في نمط إدارة الصراع بين الطرفين. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط هائلة، لكنها تعمل داخل منظومة قانونية وسياسية معقدة تحدّ من سرعة استخدامها. في المقابل، تميل الصين إلى إدارة المنافسة بمنطق التدرج وتراكم المكاسب الصغيرة عبر الزمن. لذلك، فإن كل تباطؤ في الضغط الخارجي يتحول إلى فرصة داخلية لتعزيز الاستقرار الصناعي وتثبيت موقعها في الاقتصاد العالمي.
من هنا، تبدو «الفرصة الضائعة» وصفًا أدق لما حدث، فرصة ضاعت على واشنطن لإحداث تحوّل سريع في خريطة التصنيع العالمي، لا على الصين التي نجحت في عبور أخطر مرحلة دون خسارة بنيوية. فسلاسل الإمداد، حين تبقى في مكانها، تكتسب مع الوقت قوةً ذاتية تجعل تغييرها لاحقًا أكثر صعوبة. وما إن هدأ الضغط حتى عاد النظام الصناعي العالمي إلى توازنه الذي تتمركز فيه الصين.
اليوم تبدو بكين وقد تجاوزت مرحلة الصدمة التي كان يمكن أن تدفع الشركات إلى الرحيل الجماعي. وما تبقى هو منافسة طويلة في التكنولوجيا والأسواق، تراهن فيها الصين على الزمن والاستقرار، لا على المواجهة المباشرة. وبين قيودٍ قانونية في واشنطن وحسابٍ استراتيجي هادئ في بكين، أُغلقت نافذة كان يمكن أن تغيّر مسار الصعود الصيني. تلك كانت الفرصة التي ضاعت على الولايات المتحدة.