عماد داود يكتب : ما لا تعكسه المرايا!
عماد داود
الصورة لا تكذب. الصورة تحذف!
وما يُحذف في رمضان هذا العام، كما كل عام، ليس مشهداً مزعجاً يُسيء لجماليات الإعلان. ما يُحذف هو الأغلبية!
تلك الأغلبية التي تجلس أمام الشاشة بعد يوم صيام طويل، في غرف لا تطلّ على شيء! لترى عالماً يُقسم -بكل تأكيد واحتراف- أنها لا تنتمي إليه! ثم يدعوها إلى مشاهدته مجاناً!
والمجانية في بلد منهَك تبدو دائماً كرماً!
ثلاثون ثانية.. كل خمس دقائق. خلال ثلاثين يوماً! ليست إعلاناً.. هي إحصاء يُعلَن كل خمس دقائق: أنك خارج الإطار!
الاستعمار القديم احتاج أساطيل ليقول هذا فأُوقف وقُوبل وتمت مقاومته! وهذا لا يحتاج إلا إلى تقنية ألوان عالية الدقة وموسيقى تصويرية ليقول الشيء ذاته فيُحَب ويُعاد بثّه!
ذاك كان يحتل الأرض فيُرى..! لكن هذا يحتل المعيار فلا يُرى! والأخطر دائماً ما لا يُرى، لأن ما لا يُرى لا يُقاوَم، وما لا يُقاوَم يتحول ببطء إلى بديهية، وما صار بديهية لا يحتاج أحد إلى تبريره!
ثلاثة من كل عشرة مصريين فقراء رسمياً! والمحللون المستقلون يتحدثون عن ستين بالمئة حين تُحسب شريحة من يقف على الحافة! استهلاك المصري من اللحوم الحمراء تراجع إلى أقل من نصف ما كان قبل عقد.. أربعة عشر مليون خارج البلاد يُعيدون ثلاثين مليار دولار سنوياً لتسدّ ما لا تسدّه الميزانيات!
هؤلاء جميعاً يجلسون هذه الليلة أمام الشاشة ذاتها.. والشاشة لا تراهم! لا تكذب، لا تهين، لا تواجه. فقط لا تريهم! وهذا أبلغ من الإهانة لأنه يقول بلا كلام: وجودكم لا يُشكّل صورة!
لو ظهر وجه الأم التي توزّع التمر على أولادها كأنه قرص دواء، لانكسر كل شيء! إذن لا يجب يظهر!
الحذف هنا ليس رقابة، بل هندسة! وحين يتكرر الحذف كل خمس دقائق ثلاثين يوماً لا يعود غياباً، يصبح طبيعة! والإنسان الذي يصدق أن غيابه عن الصورة دليل على غيابه عن الاستحقاق لن يطرق الباب...بل سيُعيد البث!
أنت تستطيع أن تُدين من يكذب.. فماذا تفعل مع صورة تقول نصف الحقيقة وتُسمّيه كلها؟
الفخامة بلا مشاهد فقير ديكور في غرفة مغلقة! الإعلان لا يشتغل إلا بوجودك ناظراً من الخارج!
أنت لست الجمهور المستهدَف، أنت الخلفية التي تجعل المشهد مفهوماً!
بدونك لا يوجد إطار، وبدون الإطار لا توجد صورة!
الفقر ليس غائباً عن الإعلان، الفقر هو الشرط الصامت الذي يجعله يعمل!
ما يتراكم في محمود أو أحمد أو أي اسم تختاره الضرورة بعد ثلاثين يوماً من هذا لا اسم له في الإحصاءات! لكنه يتحول ببطء شديد إلى يقين واحد: الفقر طبيعتي لا ظرفي! وهذا اليقين هو أشد ما يُنتجه الإعلان فتكاً، لأن الظرف يمكن مواجهته، أما الطبيعة فهي أنت، ولا أحد يُقاوم نفسه!
ثمة فارق حاد لا يحتمل الالتباس بين أن تبيع حلماً وأن تبيع استبعاداً! الحلم يقول: يمكنك أن تصل. والاستبعاد يقول: الوصول لم يكن لك أصلاً! الأول يمد السلّم. والثاني يقنعك أن السلّم بُني لغيرك!
والطبقية حين تتكرّس بصرياً وتصبح هي المرئي الأوحد لا تصبح ظاهرة تُناقَش؛ بل تصبح جغرافيا ثابتة: هناك من يُرى، وهنا من يُشاهِد! والمسافة بين الموضعين تبدو، بعد حين، طبيعية كالمسافة بين الشمال والجنوب!
الشاشة في بيت الفقير ليست رفاهية!هي آخر نافذة حين تتقلص النوافذ، وآخر مساحة يشعر فيها أنه يشارك العالم شيئاً! ولهذا بالذات فإن من يملك مفتاحها يملك ما لا تُعطيه السوق اسماً صريحاً: حق تعريف الطبيعي!
ما الكافي؟ أي وجه يستحق أن يُرى؟ أي حياة تستحق أن تُعاش؟ الإعلان الذي لا يُعير هذا السؤال أي اعتبار لا يُخطئ في حساب جمهوره فحسب، بل يُنتج في صمت تام قناعة مضمرة لا تُكتب في أي بند: من لا يُرى لا يُعدّ!
أخطر ما يُصيب مجتمعاً ليس أن يفتقر! الفقر ظرف وللظروف تاريخ وأسباب وإمكانية مواجهة!
الأخطر أن تُصادَر الصورة حتى يصبح غياب الإنسان عنها دليلاً على غيابه عن الاستحقاق! لأن المجتمع الذي يصدق أن ما لا يُرى لا يستحق الرؤية لا يُصلح ظلماً بل يُقدّسه، ثم ينسى أنه اختار تقديسه!
وذلك النسيان، حين يكتمل، لا يحتاج سجناً ولا مرسوماً ولا قراراً واحداً مكتوباً..! يحتاج فقط صورة تتكرر، وموسيقى مناسبة، وإعادة بث!
الجنة المُصطنعة لا تحتاج حارساً على بابها! تحتاج فقط أن تظل مجانية!