مالك العثامنة : الضفة التي بلا دولة
حين تتحول الجغرافيا إلى ملف إدارة يومي بدل أن تبقى قرارا سياسيا واضحا، تصبح الحدود أرقاما في دفاتر التخطيط لا خطوطا في خرائط القانون، وهذا ما يجري في الضفة الغربية اليوم، حيث تتراكم الوقائع الصغيرة لتصنع واقعا كبيرا، من مستوطنة تكبر أو طريق يلتف وصلاحيات تنتقل وقانون يتم فرضه بقوة الاحتلال، إلى أن يصبح الضم حقيقة بلا إعلان.
وحسب بيانات تقرير مترجم عن الإندبندنت نشرته "الغد" قبل يومين، والذي تحدث
عن سياسة تغيير الوقائع بدل قرار رسمي، وعن أرقام أمنية تقول إن الهجمات
الكبيرة انخفضت من نحو 397 عام 2023 إلى 54 عام 2025، وهي أرقام قد توحي
بنجاح أمني لكنها تخفي سؤالا أعمق عن مستقبل أرض تدار بلا أفق سياسي وعن
مجتمع يتم ضغطه بالقوة القصوى بلا حل تاريخي، لأن السيطرة التي لا يرافقها
حل سياسي تتحول مع الوقت إلى قلق دائم ينتظر لحظة الانفجار.
من زاوية أردنية، فالضفة ليست ملفا تفاوضيا بعيدا عن المجال الحيوي، بل عمق
أمني مباشر، وأي تغيير جذري فيها يعني ضغطا ديموغرافيا أكيدا، إما عبر
موجات نزوح جديدة أو عبر إعادة إحياء فكرة الوطن البديل كلما ضاقت الخيارات
في تل أبيب، وهي فكرة يعرف الأردنيون أنها ليست شائعة عابرة بل احتمال
يظهر كلما انهارت فكرة الدولة الفلسطينية، وعندها يصبح الأردن أمام تحديات
سكانية واقتصادية وأمنية معقدة لا تدار بالشعارات بل بتوازنات دقيقة يعرفها
عقل الدولة، لأن انهيار السلطة الفلسطينية أو تفككها تحت ضغط القضم
التدريجي سيخلق فراغا سياسيا على حدود الأردن لا يمكن ضبطه بسهولة.
كما أن هذا القضم الصامت يقوض اتفاقيات السلام نفسها، لأن هذه الاتفاقيات
لم يتم بناءها على قاعدة حسن النوايا، بل على فرضية واضحة تقول إن السلام
يقوم على حل الدولتين وعلى وجود كيان فلسطيني قادر على الحياة، فإذا انتهت
هذه الفكرة تحولت الاتفاقيات إلى أوراق بلا روح، واهتز الاستقرار الذي قامت
عليه، وصار الأردن أمام حدود مفتوحة على واقع جديد لا يشبه ما افترضته
المعاهدات الموقع عليها، وهذا ليس تهديدا نظريا بل احتمال يقرأه الأردن
يوميا في تقارير الأمن والاقتصاد والسياسة.
المفارقة أيضا أن هذه السياسة تضع إسرائيل نفسها أمام مفترق تاريخي لا يمكن
الهروب منه، إما دولة ثنائية القومية يفقد فيها المشروع الصهيوني تعريفه
الديموغرافي والسياسي العنصري بتكوينه، أو نظام فصل دائم يضعها في مواجهة
أخلاقية وقانونية مع العالم ويعمق عزلتها ويحول الصراع إلى حالة مفتوحة بلا
نهاية، وكلا الخيارين يهدد مشروع الدولة الإسرائيلية نفسه حتى لو بدا
اليوم أن التفوق العسكري يؤجل هذه الحقيقة، فالمنطقة كلها صارت تعيش وهما
مفاده أن السيطرة الأمنية تكفي لصناعة السلام، بينما الحقيقة أبسط وأقسى،
فلا يمكن دفن قضية شعب كامل تحت الإسفلت والمستوطنات، ولا يمكن تجاهل أثر
ذلك على الأردن الذي يعرف أن استقراره مرتبط بتوازن الضفة واستقرارها، وأن
الجغرافيا حين تقضم بصمت لا تصرخ لكنها تترك وراءها زلزالا مؤجلا يمتد صداه
إلى عمان ويتجاوزها ليهز الإقليم كله قبل أن يسمعه العالم.
ــ الغد