الأخبار

د. محمد صبحي العايدي : الوقف الرقمي: ماذا لو أصبحت الرقمنة أصولا وقفية؟

د. محمد صبحي العايدي : الوقف الرقمي: ماذا لو أصبحت الرقمنة أصولا وقفية؟
أخبارنا :  

الوقف في صيغه الفقهية هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة، ولكن في جوهره هو فكرة أعمق ترتبط بالاستدامة، وتعبر عن وعي حضاري يحول المال من استهلاك عابر إلى أثر ممتد وطويل، ومن ملكية فردية إلى قيمة اجتماعية دائمة، غير أن هذه الفكرة العميقة التي كانت يوماً في قلب حركة العمران، تدار اليوم بأدوات تقليدية تحد من فاعليتها في عالم الخورزميات، حيث تغيرت فيه طبيعة القيمة ذاتها.
العالم اليوم لم يعد اقتصاد أرض وعقار فقط، بل اقتصاد معرفة وبيانات، ومنصات رقمية، فإذا كان الفقهاء قد ركزوا تاريخياً على العقار؛ لأنه الأقدر على الثبات في سياقهم، فإن العبرة في الوقف لم تكن مادية العين لذاته، بل قدرته على تحقيق الدوام النسبي للمنفعة، ولهذا أجاز الفقهاء وقف المنقول، ووقف النقود عند من قال به، بل ووقف المنافع، فالثبات المقصود هو ثبات الأثر، لا ثبات الشكل المادي المحسوس.
من هنا ينفتح أمامنا أفق جديد: ماذا لو أصبحت الرقمنة نفسها مجالاً للاستثمار الوقفي؟ ماذا لو كانت الأصول الوقفية ذاتها أصولاً رقمية منتجة؟ تطبيق ذكي، منصة خيرية أو زكوية، بنية بيانات تدار لصالح البحث العلمي، برمجة تخدم قطاعاً اجتماعياً، أو ريادة الأعمال... أليست هذه كلها أصولاً ذات قيمة مالية معتبرة، تولد منفعة مستدامة قابلة للتملك، ويمكن ضبطها قانونياً عبر أنظمة الملكية الفكرية؟ إذا كانت القوانين المعاصرة تعترف بالقوانين الرقمية كأموال متقومة، فإن إدخالها ضمن مفهوم المال الوقفي يصبح اجتهاداً منسجماً مع روح التشريع، لا خروجاً عنه، وإذا أردنا أن نؤسس لهذا النوع من الوقف فالأصل أن نحدد الإطار النظامي الذي يجعل الفكرة ممكنة ومحمية وملزمة، وهذا يفتح باباً لاجتهاد معتبر في إدخال الأصول الرقمية ضمن مفهوم المال المتقوم، ما دامت قيمته مالية معتبرة، وقابلة للتملك، ويمكن نقلها وضبطها قانونياً، كلها أصول لها ملكية فكرية معترف بها قانوناً، ويمكن توثيقها وحمايتها بموجب قوانين الملكية الفكرية، وحقوق النشر، والعلامات التجارية، ومن ثم نقل ملكيتها إلى جهة وقفية، أو تحبيسها لصالح غرض عام.
أما من حيث الأحكام المترتبة إذا وقفت منصة إلكترونية أو تطبيقا ذكيا، أو نظام بيانات، أو برمجة تخدم قطاعاً اجتماعياً، فإن الحكم يدور مع تحقيق أركان الوقف: الواقف والموقوف والموقوف عليه والصيغة، فإذا كانت ملكية المنصة واضحة، والعائد منه يصرف في جهة خيرية محددة، وكانت المنفعة مباحة ومشروعة، فالوقف صحيح من حيث الأصل، ويترتب عليه ما يترتب على سائر الأوقاف من لزومه وانعقاده، وعدم جواز التصرف فيه بما يفقده عينه أو يخرجه عن شرط الواقف، ووجوب إدارته بما يحقق مصلحته، كما تثار هنا مسائل فقهية معاصرة مثل: كيفية تقييم الأصل الرقمي، وضمان استمراريته التقنية، وآلية تحديثه دون الإخلال بعينه الموقوفة، ويمكن معالجة ذلك عبر اشتراطات واضحة في صك الوقف، تسمح بالتطوير الفني، ما دام لا يغير طبيعة الوقف ولا غايته.
وهنا تتجلى ضرورة الانتقال إلى منظومة رقمية متكاملة، فالوقف الرقمي لا يعني أرشفة إلكترونية فحسب، بل بنية حوكمة ذكية: أنظمة تحليل بيانات تحدد الأولويات بعدالة، منصات شفافة تمكن الواقفين من متابعة الأثر، فالشفافية التي كانت تتحقق يوماً بالشهادة والعلانية في مجتمع محدود، يمكن أن تتحقق اليوم بمنصات مفتوحة تظهر حركة الوقف، وأثره لحظة بلحظة، استثمارات مدروسة تعظم العائد، وضوابط شرعية تشرف على التطوير دون إخلال بشرط الواقف، ويمكن من صك الوقف ذاته النص على جواز التحديث التقني المستمر، ما دام لا يغير طبيعة الأصل ولا مقصده.
الفكرة الجوهرية أن الوقف لم يعد محصوراً في عقار مؤجر، بل يمكن أن يكون أصلاً رقمياً، والأصل الرقمي يكون أكثر وأوسع انتشاراً من الأصل المادي المحدود جغرافيا، لكن نجاح هذا النموذج يتطلب تكاملاً بين توسيع أفق الفهم المقاصدي للوقف، وتنظيم التشريعات القانونية المناسبة له، وتقنية تضمن الاستدامة، والحماية، والتطوير المستمر، بهذا المعنى يصبح الوقف الرقمي ليس مجرد فكرة مبتكرة، بل مرحلة طبيعية في تطوره من مفهوم تحبيس العين أو المكان إلى تحبيس المنفعة والقيمة، وهنا يتحول الوقف من كونه شاهداً على الماضي، ليكون شريكاً في صناعة المستقبل.

*باحث في الفكر الإسلامي

ــ الغد

مواضيع قد تهمك