الأخبار

أ. د.حمد منصور الخصاونة : الحوار وفلسفة الدولة الحديثة في إدارة الإصلاح

أ. د.حمد منصور الخصاونة : الحوار وفلسفة الدولة الحديثة في إدارة الإصلاح
أخبارنا :  

* الضمان الاجتماعي نموذجًا لشراكة القرار

شكّل الجدل الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي محطة مهمة في مسار الحياة العامة في الأردن، ليس بوصفه خلافًا تقنيًا حول نصوص تشريعية فحسب، بل باعتباره تعبيرًا ناضجًا عن حيوية المجتمع ووعيه بدوره في صياغة السياسات التي تمسّ أمنه الاجتماعي ومستقبله الاقتصادي. لقد عكس تفاعل الشارع الأردني، إلى جانب المواقف المسؤولة التي عبّر عنها عدد من السادة المفكرين ووجهاء واعيان ونواب المجتمع، حالة من الحراك الإيجابي القائم على الحرص لا الرفض، وعلى الإصلاح لا التعطيل، وهو ما يؤكد أن الضمان الاجتماعي ليس ملفًا إداريًا، بل عقدًا اجتماعيًا يعكس الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن.

إن الضمان الاجتماعي في جوهره يمثل منظومة حماية تقوم على مبدأ التكافل بين الأجيال، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية من جهة، وصون حقوق المشتركين والمتقاعدين من جهة أخرى. ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي يمس هذه المنظومة ينبغي أن يُدار بأقصى درجات الشفافية والتشاركية، لأن أثره لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد لعقود قادمة. وقد جاء النقاش المجتمعي ليؤكد أن المواطن الأردني بات شريكًا واعيًا في تقييم السياسات العامة، وأنه ينظر إلى الضمان باعتباره ركيزة أمن اقتصادي لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية.

في هذا السياق، برز قرار دولة رئيس الوزراء في الأردن بوصفه خطوة مؤسسية إيجابية تعكس التزام الحكومة بنهج الحوار والاستماع للملاحظات، وإعادة النظر في بعض الجوانب المطروحة بما يحقق مزيدًا من التوازن. إن الاستجابة للتفاعل الشعبي لا تُعد تراجعًا، بل تمثل تجسيدًا لمفهوم الدولة الحديثة التي تتبنى الحوكمة الرشيدة، وتعتبر التفاعل المجتمعي عنصر قوة في صناعة القرار لا مصدر ضغط خارجي.

فالدولة التي تنصت لمواطنيها وتعيد تقييم سياساتها في ضوء المعطيات المستجدة إنما تمارس مسؤوليتها الدستورية والأخلاقية في آنٍ واحد. ذلك أن التشريع، خاصة في القضايا ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي العميق كقانون الضمان، لا يمكن أن يكون فعلًا أحاديًا معزولًا عن نبض المجتمع. بل هو عملية ديناميكية تتفاعل فيها السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية، ويُسهم فيها الرأي العام والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، وصولًا إلى صياغة أكثر اتزانًا وعدالة.

فالقوانين ذات الطبيعة التأمينية والاجتماعية لا تُقاس فقط بسلامة بنيتها القانونية، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الاعتبارات الاكتوارية والاعتبارات الإنسانية. إن أي تعديل يمس منظومة الضمان الاجتماعي يمس مباشرة استقرار الأسر، وتخطيط الأفراد لمستقبلهم، وثقتهم بمؤسسات الدولة، ولذلك فإن مقاربة هذه الملفات تتطلب منهجية تقوم على تقييم الأثر التشريعي الشامل، وليس الاكتفاء بالمبررات المالية المجردة.

كما أن إشراك الأطراف المعنية في النقاش يعزز جودة القرار من الناحية الفنية. فالخبراء يقدمون التحليل الكمي والسيناريوهات المستقبلية، والنواب ينقلون نبض الشارع واحتياجات دوائرهم الانتخابية، ومؤسسات المجتمع المدني تسلط الضوء على الفئات الأكثر هشاشة وتأثرًا. وعندما تتكامل هذه الأدوار ضمن إطار مؤسسي منظم، فإن الناتج يكون تشريعًا أكثر واقعية وقابلية للتطبيق، وأقل عرضة لإثارة الجدل أو الحاجة إلى تعديلات متكررة.

إضافة إلى ذلك، فإن إعادة تقييم السياسات في ضوء المعطيات المستجدة تعكس فهمًا لطبيعة التحولات الاقتصادية والديموغرافية التي تشهدها الدولة. فسوق العمل يتغير، وأنماط التشغيل تتبدل، ونسب الإعالة ترتفع أو تنخفض وفق مؤشرات سكانية متحركة. وبالتالي، فإن الجمود التشريعي قد يفضي إلى اختلالات هيكلية على المدى المتوسط والطويل. ومن هنا، فإن المرونة التشريعية المقترنة بالحوار المجتمعي تمثل صمام أمان يحول دون تراكم الأزمات.

وفي المحصلة، فإن التشريع التشاركي لا يضعف هيبة الدولة، بل يعززها. إذ تتحول السلطة من مصدر قرار منفرد إلى إطار جامع لإرادة عامة تتشكل عبر النقاش الرشيد وتبادل الرؤى. وعندما تُبنى القوانين على قاعدة الاستماع والفهم المشترك، فإنها تكتسب شرعية أعمق، وتصبح أقدر على تحقيق غاياتها في العدالة والاستقرار والاستدامة.

كما أن إعادة فتح باب النقاش حول بعض البنود تعكس إدراكًا بأن السياسات العامة، مهما بلغت درجة إعدادها الفني، تبقى قابلة للتطوير والتحسين. فالبيانات الاكتوارية والتحليلات المالية تمثل أساسًا مهمًا، لكنها لا تغني عن قياس الأثر الاجتماعي وتقدير الانعكاسات المعيشية على مختلف الفئات، خاصة ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين والمقبلين على التقاعد. ومن هنا، فإن المراجعة ليست مؤشر ضعف، بل تعبير عن مرونة مؤسسية وقدرة على التكيّف مع الملاحظات الموضوعية.

إن هذا النهج يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويؤسس لبيئة سياسية قائمة على الشفافية والمساءلة. فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن ملاحظاته تؤخذ بعين الاعتبار، تتعزز شرعية القرار العام، ويتحول الالتزام بالقانون من التزام شكلي إلى التزام نابع من قناعة. وهذه الثقة تمثل رصيدًا استراتيجيًا للدولة، لا يقل أهمية عن أي مورد مالي أو اقتصادي.

إضافة إلى ذلك، فإن تبني الحوار كمنهج ثابت يسهم في ترسيخ ثقافة المشاركة بدلًا من ثقافة الاصطفاف. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوافق النسبي القائم على موازنة المصالح وتقدير الأولويات. وعندما تبادر الحكومة إلى توسيع دائرة النقاش وتوضيح مبرراتها الاقتصادية والاجتماعية، فإنها ترفع مستوى النقاش من ردود الفعل الانفعالية إلى الحوار المستند إلى الأرقام والحقائق.

وعليه، فإن قرار إعادة النظر في بعض الجوانب المطروحة يشكل نموذجًا عمليًا لإدارة الإصلاحات الحساسة، بحيث يُجمع بين ضرورات الاستدامة المالية ومتطلبات العدالة الاجتماعية. وهو مسار، إذا ما تم تعزيزه بمزيد من الإفصاح المؤسسي والحوار المنهجي، يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة من التشريع التشاركي، تُصان فيها الحقوق، وتُحمى المكتسبات، وتُعزز فيها ثقة المواطن بدولته على أسس من الشفافية والمسؤولية المشتركة.

لقد أظهر المشهد العام أن هناك إدراكًا مشتركًا لأهمية تعزيز الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان، في ظل المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية التي تفرض تحديات حقيقية على أنظمة التقاعد في العالم بأسره. فارتفاع متوسط الأعمار، وتغير أنماط سوق العمل، وتنامي القطاع غير المنظم، كلها عوامل تؤثر على التوازن الاكتواري لأي نظام ضمان اجتماعي. ومن هنا، فإن الإصلاح ضرورة موضوعية، لكنه إصلاح يجب أن يُبنى على قاعدة العدالة والإنصاف، بحيث لا يتحمل طرف واحد عبء المعالجة.

الاستدامة المالية لا تعني فقط ضبط النفقات أو تعديل شروط الاستحقاق، بل تعني أيضًا تعزيز كفاءة إدارة أموال الضمان، وتنويع الاستثمارات، ورفع مستويات الامتثال للاشتراكات، وتوسيع قاعدة المشتركين. فكلما اتسعت القاعدة التأمينية، وتراجعت حالات التهرب، وتعززت الثقة بالمؤسسة، ازدادت قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته دون الحاجة إلى إجراءات قد تُثقل كاهل الفئات الأكثر هشاشة. وهنا تتجلى أهمية الشفافية في عرض البيانات الاكتوارية للرأي العام، وإشراك الخبراء والجهات المعنية في مناقشتها بموضوعية ومسؤولية.

من زاوية أخرى، فإن حماية حقوق المشتركين تمثل حجر الأساس في أي تعديل تشريعي. فالمواطن الذي يقتطع جزءًا من دخله شهريًا إنما يفعل ذلك انطلاقًا من ثقة بأن هذا الاقتطاع استثمار في أمنه المستقبلي. وعليه، فإن أي تغيير في شروط التقاعد أو احتساب المنافع يجب أن يُراعي مبدأ عدم الإضرار بالمراكز القانونية المستقرة، وأن يُطبق تدريجيًا بما يحفظ التوقعات المشروعة ويجنب المفاجآت غير المحسوبة. إن التوازن بين متطلبات الإصلاح وحقوق الأفراد هو المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة عامة في هذا المجال.

كما أن الحوار الذي رافق هذه التعديلات كشف عن أهمية الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب، بوصفه ممثلًا للإرادة الشعبية، وشريكًا أساسيًا في صياغة التشريعات. إن النقاش البرلماني المسؤول، القائم على دراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنصوص المقترحة، يثري عملية التشريع ويمنحها عمقًا أكبر، ويعزز ثقة المواطنين بمخرجاتها. وعندما تتكامل الأدوار بين السلطة التنفيذية والتشريعية، في إطار من الانفتاح والاحترام المتبادل، فإن النتيجة تكون تشريعات أكثر اتزانًا وقابلية للتطبيق.

إن التجربة الأخيرة تؤكد أن نهج الحوار ليس خيارًا تكتيكيًا، بل مسارًا استراتيجيًا ينبغي ترسيخه في مختلف ملفات الإصلاح. فالتحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن تتطلب قرارات شجاعة، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى غطاء مجتمعي واسع يقوم على الفهم المشترك للأهداف والبدائل. وكلما شعر المواطن بأنه شريك في القرار، ازدادت قابليته لتحمل تبعاته، وتعززت مناعة الدولة في مواجهة الأزمات.

ختامًا، يمكن القول إن ما شهدناه من حراك حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي يمثل فرصة لتعميق ثقافة المشاركة وتعزيز الثقة المتبادلة. فالتشريع الرشيد هو ذلك الذي يستند إلى بيانات دقيقة، ويوازن بين الكلفة والمنفعة، ويحترم حقوق الأفراد، ويصون الاستدامة المالية للمؤسسات. وعندما يقترن ذلك كله بإرادة سياسية واضحة لتوسيع دائرة الحوار والاستجابة للملاحظات البناءة، فإن النتيجة تكون مسارًا إصلاحيًا أكثر رسوخًا، يعزز العدالة الاجتماعية، ويحمي حقوق المشتركين، ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.

مواضيع قد تهمك