مصطفى الريالات يكتب : سقوط الدبلوماسية.. الأردن يتصدّى لخرائط التوراة
مصطفى الريالات
في زمن تتداخل فيه المصالح مع العقائد، وتُختزل الجغرافيا بروايات تتجاوز حدود الواقع المعترف به، خرج مسؤول أمريكي رفيع — السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابيلي — في تصريحات علنية أعادت صياغة الخرائط ليس وفق اتفاقيات دولية أو قرارات قانونية، بل بناء على نصوص دينية تُوظف سياسياً. لم يعد المشهد يحتمل تأويلاً؛ القناع الذي ظل لعقود يغطي لعبة الدول سقط علناً، كاشفاً وجهاً مختلفاً للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ما جرى لم يكن حديثاً عابراً؛ بل بدا إعلان مبدأ جديد يعيد تعريف العلاقات الدولية برؤية لا تعترف بالحدود المرسومة بالحبر على الورق، بل ترسم حدوداً جديدة بالدم والرواية. السفير الأمريكي لدى الكيان الإسرائيلي لم يستخدم لغة دبلوماسية معتادة، بل استعار خطاباً دينياً ليشرع مشروعاً جغرافياً يمتد من شواطئ النيل حتى نهري دجلة والفرات. إنه منطق يحوّل دولاً وشعوباً بملايينها إلى مجرد فصول في سفر توراتي يُعاد كتابته وفق مصالح سياسية وإيديولوجية.
المثير ليس مجرد المضامين، بل الجرأة على المجاهرة بها. حين واجه المسؤول بتداعيات كلامه، وعُرض عليه أن هذا المخطط يطال دولاً قائمة مثل الأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من العراق والسعودية ومصر، لم يتراجع ولم يخفف من عباراته، بل أجاب ببرود: "الأمر سيكون على ما يُرام لو أخذوا كل شيء". عبارة تختزل عقيدة ترى في الأرض غنيمة، وفي السيادة عائقاً، وفي التاريخ هامشاً يمكن تجاوزه.
الخطر في هذا الخطاب لا يكمن في كونه فكرة هامشية يتبناها متطرفون على تخوم المشهد السياسي، بل في صدوره عن ممثل رسمي للولايات المتحدة. هذا يعني أن الرؤية لم تعد همسات في أروقة مغلقة، بل خطاباً يُعلن في العلن، يعيد تشكيل الوعي العام ويمهّد لمرحلة قد تُعاد فيها صياغة المنطقة وفق منطق القوة لا القانون.
هذه التصريحات ليست استفزازاً عابراً؛ بل جزء من بناء تدريجي لمشروع لا يعترف بالدول ذات السيادة، ولا يرى في الشعوب سوى عقبات يمكن إزالتها أو تهميشها. من القاهرة إلى بغداد، يرى المراقبون أن الحديث لم يعد نظرياً؛ فالخرائط لا تتغير بين ليلة وضحاها، لكنها تبدأ بفكرة تترسخ، ثم تصريح يُطبع، ثم واقع يُفرض. أمام هذا المشهد، لا مجال للاستهانة أو التغاضي؛ الإنذار واضح، والمنطقة أمام اختبار وجودي جديد تُسأل فيه الإرادات العربية: هل ستجد في هذه اللحظة ما يوحّدها لمواجهة مشروع يستهدفها في العمق؟
وسط هذه التصريحات الأمريكية–الإسرائيلية التي تعيد رسم الخرائط وفق رؤية عقائدية، يبرز الموقف الأردني حالة فريدة في التعاطي مع هذا الخطر الوجودي. المملكة الأردنية الهاشمية، التي تمثل أكثر من مجرد جار لفلسطين، تجد نفسها في خط المواجهة المباشر. فالحدود التي تمتد لأكثر من 335 كيلومتراً مع الضفة الغربية، والروابط التاريخية والديموغرافية، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، كلها عوامل تجعل الأردن هدفاً رئيسياً في أي مشروع توسعي، وأيضاً حجر زاوية في مواجهته.
لم يقتصر الرد الأردني على تصريحات هاكابي ومسؤولين إسرائيليين سابقين على إدانة عابرة. منذ تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في آب 2025 عن "مهمته التاريخية والروحانية" المرتبطة بـ"رؤية إسرائيل الكبرى"، وصفت الخارجية الأردنية هذه التصريحات بأنها "تصعيد استفزازي خطير وتهديد لسيادة الدول"، مؤكدة رفضها المطلق لهذه "الأوهام العبثية" التي "لن تنال من الأردن والدول العربية". هذا الموقف تجدد مع تصريحات السفير الأمريكي هاكابي، إذ يدرك الدبلوماسيون الأردنيون أن ما قيل على الهواء ليس مجرد زلة لسان، بل يعبر عن تيار نافذ في السياسة الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.
ويواجه الأردن هذا المشروع على جبهات متعددة. دبلوماسياً، قادت عمّان تحركات سريعة وحاسمة، نجحت مؤخراً في إيقاف خطة إسرائيلية كانت تستهدف ضم مناطق "ج" في الضفة الغربية، والتي تشكل نحو 60% من مساحتها وتضم غور الأردن الاستراتيجي. هذا النجاح يعكس إدراكاً عميقاً بأن ضم الضفة، وخاصة غور الأردن، يعني تصفية حل الدولتين، وقتل الدولة الفلسطينية، وتحويل التهديد من شعارات إلى واقع جغرافي يطوّق الأردن ويهدد أمنه القومي بشكل مباشر.
وعلى صعيد المقدسات، تستهدف التصريحات التوسعية الوصاية الهاشمية على القدس، التي تُعد خطاً أحمر أردنياً. تهديدات وزراء إسرائيليين متطرفين مثل إيتمار بن غفير بـ"إنهاء الوصاية الأردنية" واقتحاماته للمسجد الأقصى تضع الأردن أمام اختبار يومي لحماية المقدسات التي يرعاها. هنا لا يقتصر الصراع على الأرض فحسب، بل يمتد إلى الرواية والهوية، حيث تتصدّى الدبلوماسية الأردنية لمحاولات تزوير التاريخ وفرض رواية توراتية تهدف إلى إلغاء الوجود العربي والإسلامي في القدس.
ولا يقل الموقف الشعبي الأردني أهمية عن الموقف الرسمي؛ بل يشكل حاضنة شعبية راسخة ترفض هذه الأطماع. الأردنيون بمختلف أطيافهم يرون في هذه التصريحات تهديداً وجودياً لوطنهم، ويعتبرون أن الدفاع عن فلسطين والأردن وجهان لعملة واحدة. هذه الجبهة الداخلية المتماسكة، مع جيش وطني يقف خلف قيادته، تشكل رادعاً معنوياً وميدانياً لا يقل أهمية عن أي رادع عسكري.
الموقف الأردني يقدم نموذجاً متفاوتاً عن الصمت العربي أو الاستنكار المجرد. إنه موقف يجمع بين الحسم الدبلوماسي، والتحرك السياسي الوقائي، والتمسك بالثوابت الوطنية والدينية، مدعوماً برأي عام يرفض المساومة على السيادة. الأردن، الذي تكبّد ثمناً باهظاً من أجل السلام، يثبت اليوم أنه الأكثر وعيًا بطبيعة الخطر، والأكثر استعداداً للدفاع عن نفسه وعن محيطه العربي، مؤكداً أن "الخيارات الصعبة" في مواجهة الأطماع التوسعية تتحول بفضل الإرادة الصلبة إلى "خيارات وجودية" لا مجال للتراجع عنها.