رنا حداد : قراءة محلية في العطاء الرمضاني: لا لـــ «الضجيج الخيري» !
قبيل حلول شهر رمضان المبارك، اكتظّت منصّات التواصل الاجتماعي في الأردن بمنشورات متباينة النبرة والاتجاه. دعوات صادقة تحثّ على كتمان الصدقات وعدم نشر صور المستفيدين أو تفاصيل المساعدات على الملأ، تقابلها مطالبات أخرى بإعادة النظر في محتوى «طرود الخير» التقليدية التي غالبًا ما تتكرر عناصرها من معكرونة ومعلبات وأرز وسكر، من دون مراعاة فعلية لاحتياجات الأسر المتنوّعة أو ظروفها الصحية والمعيشية.
هذا الجدل لا يعكس خلافًا على قيمة العطاء بحد ذاته، بقدر ما يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة التفكير في كيف نعطي؟ لمن نعطي؟ ماذا نعطي؟ وأيضًا والأهم: لماذا نعطي؟
سأبدأ من السؤال الأخير، رمضان في الوجدان الأردني شهر التكافل الاجتماعي بامتياز. تتكثّف فيه المبادرات الفردية والجماعية، وتُفتح البيوت والقلوب قبل الموائد. غير أن النوايا الحسنة، حين لا تُرافقها حساسية إنسانية وتنظيم رشيد، قد تنزلق من حيث لا يقصد أصحابها، إلى ممارسات تُحرج المتلقّي أو تُفرغ فعل العطاء من جوهره الأخلاقي.اذا ..انت تعطي لأنك تحب الخير كفكرة وتساهم في بنية مجتمع متراص متكافل، وهنا تصوير المستفيدين، ونشر قصصهم الشخصية، أو توثيق لحظة التسليم بهدف «التحفيز» أو «التوثيق»، يضعك في موضع المشاهَدة بدل أن يبقي نيتك وعملك في موضع الكرامة.نعم، الخير الذي يُقدَّم على الملأ قد يتحوّل إلى عبء نفسي على من يتلقّاه، ومصدر تهكم على المعطي.
في المقابل، تبرز إشكالية أخرى لا تقل أهمية: نمطية طرود الخير. حين تُكرَّر المواد ذاتها لكل الأسر، تُهمَل الفروق الدقيقة في الاحتياجات. هناك أسر تحتاج إلى حليب أطفال، أو مستلزمات صحية، أو مواد تنظيف، أو دعم نقدي لسداد إيجار أو فاتورة كهرباء.
الاقتصار على مواد غذائية بعينها، مهما كانت شائعة، لا يعكس بالضرورة فهمًا حقيقيًا للواقع المعيشي المتغيّر لأفراد المجتمع. الأجدى أن يتحوّل العطاء من قائمة جاهزة إلى استجابة مُصمَّمة على «الحاجة».
التحدّي الأكبر اليوم يتمثّل في عشوائية المنصّات والمبادرات. في موسم الخير، تختلط الصفحات الفردية بالمجموعات غير الرسمية بالمبادرات المؤقتة، فتضيع البوصلة بين من يعمل بنزاهة ومن يفتقر إلى الخبرة أو التنظيم.
هذا «الضجيج الخيري» لا يقلّل من قيمة النوايا، لكنه يضعف الأثر العام، ويخلق مساحة للارتباك وربما فقدان الثقة لدى المتبرعين والمتلقّين على حد سواء.
هنا، تبرز الحاجة إلى عمل خيري أكثر نضجًا للعطاء في رمضان، من شروطه الرئيسة الكرامة قبل الكاميرا، مع الاكتفاء بالتوثيق المؤسسي الداخلي عند الحاجة للشفافية والمحاسبة. الأمر يحتاج أيضًا إلى إعادة تصميم طرود الخير بناءً على مسح بسيط للاحتياجات، أو اعتماد قسائم شرائية/دعم نقدي مضبوط يتيح للأسرة اختيار أولوياتها.»بلاها الكرتونة»
ثمة جزئية غاية في الأهمية نغفل عنها دائمًا لاننا لا نضع الاستدامة بدل الموسمية في كافة أعمالنا وتوجهاتنا ومنها العمل الخيري. ليس من الصعوبة بمكان تحويل جزء من العطاء الرمضاني إلى دعم طويل الأمد (تعليمي، صحي، تدريبي)، يخفّف الاحتياج بدل أن يُعيد إنتاجه كل عام.
أخيرًا، وقبل كل عام والجميع بخير، ولأننا نريد الخير، العطاء في رمضان ليس سباقًا على الظهور، ولا مناسبة لإثبات الذات عبر منشور مُلهم، أو مباردة تتناولها الصحافة والمنصات، هو فعل أخلاقي عميق، جوهره أن تصل المساعدة إلى مستحقّها بكرامة، وفي وقتها، وبالشكل الذي يحفظ إنسانيتها ويعظّم أثرها.
حين ننظّم الخير وننزعه من الاستعراض، يصبح العطاء أصدق، ويصير رمضان مساحة فعلية لاستعادة معنى التكافل لا مجرد موسم ضجيج حسن النية. ــ الدستور