الأخبار

م . سعيد بهاء المصري : الزيارات الملكية في زمن التحولات الكبرى

م . سعيد بهاء المصري : الزيارات الملكية في زمن التحولات الكبرى
أخبارنا :  

إعادة التموضع الأردني في

نظام اقتصادي قيد التشكل

مقدمة

منذ منتصف عام 2025، كثّف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تحركاته الخارجية باتجاه عواصم عربية ودولية في أوروبا وأميركا الشمالية والخليج وشرق آسيا ووسط آسيا. هذا الحراك يتجاوز طبيعته البروتوكولية ليُفهم بوصفه إعادة تموضع محسوبة للأردن داخل نظام اقتصادي عالمي يعاد تشكيله تحت ضغط ثلاثة متغيرات رئيسية: صعود مفهوم «الأمن الاقتصادي القومي»، إعادة تنظيم سلاسل الإمداد والطاقة والبيانات، وانتقال النظام الدولي من عولمة مفتوحة إلى شبكات تكتلية متنافسة. في هذا السياق، تصبح الدبلوماسية الاقتصادية أداة لإدارة المخاطر بقدر ما هي وسيلة لاقتناص الفرص، وتتحول الزيارات الملكية إلى آلية لإعادة تثبيت الأردن داخل شبكات التشغيل الجديدة للاقتصاد العالمي.

أولًا: البيئة الدولية – من العولمة إلى التكتلات الشبكية

شهد العقد الأخير تحوّلًا من نظام تجارة عالمي قائم على الانفتاح النسبي إلى بيئة يغلب عليها الطابع الشبكي والتكتلي، حيث تعمل كتل اقتصادية كمنظومات تشغيل متكاملة تشمل التمويل، والمعايير الفنية، والبنية التحتية، ومنظومات الدفع. من أبرز هذه التكتلات BRICS، وShanghai Cooperation Organisation، وEuropean Union، وASEAN. هذه الكتل لا تعمل كشعارات سياسية، بل كبُنى عملية لإدارة المخاطر وتقليل الاعتماد على أطراف خارج المنظومة. بالتوازي، تصاعدت سياسات إعادة التوطين الصناعي، والتعريفات الحمائية، والعقوبات المالية، ما أعاد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية وربطها مباشرة بالأمن القومي.

ثانيًا: الثابت الأردني – التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة

تظل العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية حجر الأساس في التوازن الأردني، نظرًا لدورها كأكبر داعم اقتصادي وأمني للمملكة. هذا الثبات يوفر مظلة استقرار ضرورية في بيئة إقليمية مضطربة. غير أن التحول العالمي يفرض توسيع قاعدة الشراكات الاقتصادية دون المساس بهذا الثابت، بحيث يتحول التنويع إلى أداة تقليل مخاطر، لا إعادة تموضع جيوسياسي. المعادلة هنا ليست «اختيار محور»، بل «إدارة شبكة علاقات».

ثالثًا: أوروبا والممرات الجديدة – اختبار الجغرافيا السياسية

ضمن هذا المشهد، برز مشروع India-Middle East-Europe Economic Corridor (IMEC) كمحاولة لبناء شبكة متكاملة من الموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة النظيفة، وكابلات البيانات، تربط آسيا بأوروبا مرورًا بإقليمنا. غير أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يتوقف على البنية التحتية فحسب، بل على الاستقرار المؤسسي، وقابلية التنسيق الإقليمي، ومواءمة المعايير الفنية، وتوفر التمويل طويل الأجل. وهنا يبرز تحدٍ جوهري يتمثل في هشاشة بعض دول الممر في بلاد الشام والعراق، ما يجعل الاستقرار السياسي والاجتماعي شرطًا سابقًا على التنفيذ الاقتصادي.

رابعًا: الاستقرار المجتمعي كشرط اقتصادي

الانقسامات الطائفية والعرقية في العراق ولبنان وسوريا لا تُعدّ مسألة سياسية داخلية فحسب، بل عاملًا اقتصاديًا مباشرًا يؤثر في تكلفة المخاطر الاستثمارية. من منظور سياسات عامة، فإن سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة المجتمعية، وتحديث المؤسسات، تمثل شروطًا مسبقة لتحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة اقتصادية. أي ممر اقتصادي لا يعبر مؤسسات مستقرة سيظل عرضة للتعثر، وأي شبكة طاقة أو بيانات تمر في بيئة منقسمة ستبقى مكلفة وهشة.

خامسًا: الأمن كركيزة للبنية الاقتصادية – الشراكة مع أوروبا

لا يمكن الحديث عن ممرات طاقة وبيانات دون الحديث عن أمنها. فالبنية التحتية العابرة للحدود تصبح هدفًا في بيئات غير مستقرة، ما يجعل الأمن عنصرًا تكميليًا للاقتصاد لا منفصلًا عنه. في هذا الإطار، يتجاوز التعاون مع European Union البعد التجاري ليشمل تنسيقًا أمنيًا ودعمًا للقدرات الدفاعية، خاصة في مجالات حماية الأجواء، وأنظمة الإنذار المبكر، وأمن الحدود، وحماية البنى التحتية الحيوية. دعم القدرات الدفاعية الأردنية، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي، لا يُفهم كتصعيد عسكري، بل كحماية لمشاريع اقتصادية استراتيجية تتطلب بيئة آمنة ومستقرة. فالممرات الاقتصادية تحتاج مظلة ردع موثوقة بقدر حاجتها إلى تمويل مستدام.

سادسًا: موقع الأردن – الفرص والقيود

يمتلك الأردن عناصر تموضع مهمة: استقرار سياسي نسبي، موقع جغرافي بين الخليج وبلاد الشام، شبكة اتفاقيات تجارية واسعة، وبنية تنظيمية قابلة للتطوير. لكنه يواجه قيودًا هيكلية تتمثل في ارتفاع كلفة الطاقة، وعبء الدين العام، ومحدودية السوق المحلي، والحاجة إلى تحديث إداري أسرع. الموقع الجغرافي يمنح فرصة، لكنه لا يصنع دورًا تلقائيًا. الدور يتشكل عبر إصلاحات داخلية تعزز القدرة التنافسية وتحول الأردن إلى عقدة تشغيل إقليمي لا مجرد نقطة عبور.

سابعًا: خيارات السياسة العامة أمام الأردن

لتحويل الحراك الدبلوماسي إلى عوائد اقتصادية ملموسة، تتطلب المرحلة تسريع الإصلاح التنظيمي في بيئة الاستثمار واللوجستيات، وخفض كلفة الطاقة للصناعات المرتبطة بالممرات، ومواءمة المعايير الفنية مع أوروبا لزيادة الجاذبية الاستثمارية، وتطوير رأس المال البشري في مجالات الطاقة النظيفة والبيانات وسلاسل الإمداد، وتعزيز التكامل الثنائي المُشبَّك بحيث تتحول كل علاقة ثنائية إلى منصة تعاون إقليمي أوسع. هذا المسار لا ينشئ «تكتلًا سياسيًا»، بل ما يمكن تسميته «كتلة وظيفية» شبكة مشاريع ومعايير وتمويل تعمل كوحدة تشغيل اقتصادي دون إعلان سياسي رسمي.

ثامنًا: إدارة المخاطر – السيناريوهات المحتملة

أي تموضع استراتيجي يجب أن يضع في الحسبان احتمالات التعثر، سواء عبر تصعيد أمني إقليمي يعطل الممرات، أو تغير في أولويات القوى الكبرى، أو فجوات تمويل طويلة الأجل، أو اختلافات معيارية بين الشركاء، أو انقسامات داخل التكتلات نفسها. المرونة هنا تعني تعددية الشراكات، وتجنب الارتهان لمسار واحد، وبناء قدرة داخلية على التكيف مع التحولات.

الاستنتاجات

الزيارات الملكية المكثفة ليست نشاطًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل تعبير عن إدارة استراتيجية لمرحلة انتقالية في النظام الاقتصادي الدولي. المعادلة الأردنية تقوم على ثبات تحالفي مع واشنطن، وتعميق شراكات أوروبية تشمل البعدين الاقتصادي والأمني، وانفتاح اقتصادي مدروس على الخليج وآسيا، وإدراك أن الاستقرار المجتمعي الإقليمي شرط لنجاح الممرات، وإصلاح داخلي متوازٍ لتحويل الموقع إلى وظيفة اقتصادية. النجاح لن يُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بقدرة الأردن على أن يصبح جزءًا من «نظام تشغيل إقليمي» في الطاقة والبيانات واللوجستيات، محميًا ببنية أمنية رادعة، وقادرًا على تحويل الجغرافيا إلى قيمة استراتيجية مستدامة.

مواضيع قد تهمك