الأخبار

محمد بلقر : تصور إداري حول تنظيم أيام الدوام في القطاع العام الأردني

محمد بلقر : تصور إداري حول تنظيم أيام الدوام في القطاع العام الأردني
أخبارنا :  

يثير موضوع تنظيم أيام الدوام في القطاع العام الأردني، وخاصة ما يتعلق بخيار تعطيل ثلاثة أيام في الأسبوع، نقاشاً مشروعاً في الأوساط الإدارية والمجتمعية، باعتباره أحد الخيارات المطروحة لتطوير بيئة العمل وتحسين كفاءة الأداء. غير أن إبداء الرأي في هذا الشأن يقتضي قراءة هادئة وواقعية، تنطلق من معطيات الوضع القائم، وتُقَيّم مدى ملاءمة هذا التوجه في السياق الأردني تحديداً.

 

فالقطاع العام الأردني يتمتع بخصوصية واضحة، كونه الجهة الرئيسية المقدمة لخدمات أساسية ترتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين اليومية، فضلاً عن دوره المؤثر في النشاط الاقتصادي والاستثماري، وعليه، فإن أي تنظيم جديد لأيام الدوام لا يمكن النظر اليه كإجراء إداري داخلي فحسب، بل كخيار له امتدادات متعددة تمس الخدمة العامة، وسرعة الإنجاز، وثقة المجتمع بالمؤسسات.

من قراءة إدارية، يظهر الواقع المؤسسي تفاوتاً ملحوظاً بين الجهات الحكومية في مستويات الجاهزية، ونضج الإجراءات، وقدرتها على إدارة الوقت والموارد بكفاءة. فبينما أحرزت بعض المؤسسات تقدماً ملموساً في مجالات التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات، ما زالت مؤسسات أخرى تعاني من تعقيد المسارات الإدارية، وتداخل الصلاحيات، واعتماد أنماط عمل تقليدية ترتكز على الحضور أكثر من الإنجاز. وفي ظل هذا التفاوت، فإن تطبيق نموذج موحد لتنظيم أيام الدوام يظل تحدياً إدارياً ما لم يُراعِ واقع كل مؤسسة وطبيعة خدماتها.

وفي إطار الإصلاح الإداري، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن جوهر التحدي لا يكمن في عدد أيام الدوام، بل في كفاءة إدارة العمل. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة هندسة الإجراءات، ووضوح الصلاحيات، وربط الأداء بمهارات قابلة للقياس، وتعزيز المساءلة المؤسسية. وفي غياب هذه العناصر، قد لا يحقق تقليص أيام الدوام الأثر المرجو، بل يؤدي الى تراكم العمل وزيادة الضغط في أيام محددة.

اقتصادياً، يرتبط انتظام العمل في المؤسسات الحكومية ارتباطاً مباشراً بدورة النشاط الاقتصادي، وسلامة حركة المعاملات، وكفاءة تخصيص الموارد. فإن أي تعديل في أيام الدوام يقتضي دراسة أثره على تكلفة الوقت، وكفاءة التشغيل، وسرعة إنجاز الإجراءات، إضافة الى الأثر غير المباشر على القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالخدمات الحكومية، بما في ذلك بيئة الأعمال واستقرار الإجراءات.

أما على الصعيد الاستثماري، فإن وضوح أنماط العمل الحكومي واستمرارية تقديم الخدمات يُعد من المحددات الرئيسية لجاذبية الاستثمار. ويستوجب أي تنظيم جديد لأيام الدوام المحافظة على مستويات الخدمة، وسرعة الاستجابة، ووضوح الإجراءات، من خلال نماذج تشغيل مرنة، كاعتماد بدائل تشغيلية فعالة، كأنظمة المناوبات، أو القنوات الرقمية، تضمن عدم تأثر المصالح الاستثمارية، وتعزز الثقة المؤسسية والاستقرار التنظيمي.

وفي البعد الخدماتي، تفرض طبيعة القطاع العام الأردني، خصوصية واضحة، نظراً لارتباطه المباشر واليومي بمصالح المواطنين، وعليه، فإن أي تنظيم جديد لأيام الدوام يستدعي دراسة دقيقة لطبيعة الخدمات المقدمة، ومستوى الطلب عليها، ومدى حساسيتها للوقت، مع ضمان استمرارية تقديمها بالكفاءة المطلوبة. ويُعد هذا الجانب من صميم الإصلاح الإداري، الذي يضع متلقي الخدمة في قلب العملية الإدارية.

اجتماعيا ونفسياً، يعد تحسين التوازن بين العمل والحياة الشخصية للموظف العام هدفاً مشروعاً ضمن مسار الإصلاح، لما لهذه من أثر إيجابي على الرضا الوظيفي والاستقرار المؤسسي. غير أن الهدف لا يتحقق بمجرد تقليص أيام الدوام، بل من خلال بيئة عمل منظمة، وتوزيع عادل للأعباء، وربط واضح بين الجهد والنتيجة.

وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول أن تنظيم أوقات الدوام في القطاع العام الأردني لا ينبغي أن ينظر اليه كمدخل للإصلاح الإداري، بل كأحد أدواته المحتملة، التي تستخدم عندما تتوفر الشروط المؤسسية اللازمة. فالإصلاح يبدأ من الداخل: من الإجراء، ومن الثقافة الإدارية، ومن آليات المتابعة والتقييم، ثم يأتي تنظيم الدوام كخطوة تكميلية لا كحل اختزالي.

إن تنظيم أيام الدوام في القطاع العام الأردني، بما في ذلك خيار تعطيل ثلاثة أيام في الأسبوع، هو خيار إداري قابل للنقاش في إطار الإصلاح الاداري الشامل، غير أن نجاحه وملاءمته يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بواقع المؤسسات، ومستوى جاهزيتها، وقدرتها على تقديم خدمة عامة فعالة ومستدامة، ومن منظور واقعي، فإن الإصلاح الإداري الحقيقي يسبق تعديل التقويم الوظيفي، ويمنحه المعنى والجدوى، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز كفاءة الإدارة العامة.

مواضيع قد تهمك