د. دانا خليل الشلول : حين يرسِّخ الأردن "السيادة الأخلاقية" أمام صانعي تريليونات العالم
بينما تنشغل كبرى منصات الاقتصاد العالمي بلغة الأرقام الجافة، اختارت جلالة الملكة رانيا العبدالله في "قمة الأعمال العالمية" (ET GBS) -التي تجمع سنوياً أكثر من(2000) من قادة الفكر والرؤساء التنفيذيين لشركات تدير تريليونات الدولارات- أن تُطلِق صرخةً أخلاقيةً مدوية، واضعةً قادة العالم أمام مرآة الحقيقة. بعباراتٍ نُحتت ببراعةٍ سياسية وحزمٍ إنساني، قدّمت جلالتها الأردن كنموذجٍ استثنائي للصمود، متحديةً المعايير المزدوجة التي تحكم عالمنا اليوم.
عقيدة الصمود: الأردن الشامخ لا ينحني للعواصف
بكل كبرياءٍ وطني، أرست جلالة الملكة رانيا العبد الله رؤية سيادية تتجاوز الجغرافيا؛ حيث أكدت جلالتها أنَّ قوة الدول لا تُختصر في حدودها، وهذا اتضح برؤيةٍ ملكيّة: "الأردن رغم صغر حجمه الجغرافي يقف شامخاً بقيمه ومبادئه". وفي تشخيصٍ لسر الاستقرار الأردني، أردفت جلالتها بعبارةٍ حاسمةٍ، ناطقةً بوجدان الحق: "الأردن يقف عند تقاطع أزمات متعددة في المنطقة وصمد لا لأننا اعتبرنا أنَّ الاستقرار أمراً مسلماً به، بل لأننا تكيّفنا مع التحديات المتلاحقة".
وهنا يبرز النموذج الأردني كحالةٍ دراسيةٍ عالمية؛ فالأردن الذي يستضيف ثاني أكبر نسبة من اللاجئين في العالم نسبة لعدد سكانه، أثبت أنَّ المنِعة لا تُقاس بالمساحة بل بالقدرة على الإدارة القيمية للأزمات. وبفخرٍ يلامس عنان السماء، ختمت هذا المحور بتشخيصٍ لسر الاستقرار الأردني، حيث قدّمت جلالتها توصيفاً جيوسياسياً دقيقاً: "هذا هو الأردن الذي أفخر بأنّه وطني؛ شريكٌ موثوق وصادق في عالم معقد". إنّ هذا الطرح يرسخ مفهوم "القوة الناعمة الأخلاقية" للأردن، كدولةٍ تقود بالقدوة والموثوقية وسط محيط متلاطم.
فلسفة التكنولوجيا: تحذير من "الانفلات الرقمي" واستعمار البيانات:
وفي نقدٍ هو الأعمق من نوعه لمستقبل التقنية، شخَّصت جلالتها التحدي الوجودي الذي يفرضه التطور المتسارع، مؤكدةً أنَّ: "الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل عالمنا بوتيرة تعجز المؤسسات والتشريعات أو حتى القدرات البشرية عن مجاراتها". وتابعت جلالتها مستشرفةً ببعدٍ استراتيجي، محذّرةً من أنَّ هذا "المسار المتسارع للذكاء الاصطناعي ليس إلا الصدمة الأحدث في عصر يتسم أصلاً بالاضطراب".
لقد لامست جلالتها وتراً حساساً في ظل تقارير دولية تشير إلى أن أكثر من (40%) من الوظائف العالمية مهددة بالتأثر بالذكاء الاصطناعي، حيث أخذت جلالة الملكة رانيا اندفاع قطاع الأعمال غير المحسوب، معلنةً ببصيرةٍ نافذة: "شركات تسارع إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي دون النظر إلى آثاره المحتملة"، محذرةً من أنَّ هذا السباق يتم "دون النظر إلى اضطراب القنوات البشرية عن مجاراتها". وهنا، ترفع جلالتها سقف التحذير إلى حماية "السيادة الإنسانية" من تغول الخوارزميات وتنميط الوعي البشري.
قوة التواضع: إعادة تعريف القيادة في عالمٍ مغرور:
لم يكن حديث جلالتها عن التواضع مجرد وعظٍ أخلاقي، بل قدمته كـ "ضرورة جيوسياسية" في مواجهة غطرسة القوة والتقنية، فقد أرست جلالتها قاعدة ذهبية تفيد بأنَّ "التواضع ليس شكاً في الذات، بل هو الصدق بشأن حدودنا". هذا الطرح الملكي يفكك مفهوم القيادة التقليدية القائمة على الهيمنة، مستبدلاً إياها بـ "قيادة الإصغاء والتعلم"؛ حيث اعتبرت جلالتها أنَّ التواضع يجبرنا على اختبار افتراضاتنا ويذكرنا بأنَّ امتلاك السلطة لا يعني بالضرورة امتلاك الإجابات، كما أنَّ استحضار جلالتها للحكمة القرآنية (ولا تمش في الأرض مرحاً) جاء ليؤكد أنَّ التواضع هو الحصن الأخير ضد الانهيار الأخلاقي العالمي.
استشراف المستقبل: موازنة القلق بالمسؤولية الأخلاقية:
في قراءة سياسية واعية، وضعت جلالتها المجتمع الدولي أمام مواجهة مباشرة مع هواجسه، حيث أكدت بصدقٍ ووضوح: "ليس من السهل اليوم النظر إلى المستقبل دون الشعور بقدرٍ من القلق، ليس لأنَّ المستقبل يبدو قاتماً.. بل لأنَّه يبدو غير مألوف". هذا الربط الملكي بين القلق وعدم الألفة هو تحليل استراتيجي لحالة "الاغتراب الإنساني"؛ حيث أوضحت جلالتها أنَّ الخوف الحقيقي ليس من القادم، بل من فقدان السيطرة الأخلاقية على أدوات المستقبل، مما يفرض ضرورة العودة إلى "الثوابت الإنسانية" كمرجعية وحيدة في عالم مجهول الملامح، يتسم بـ "تزييف عميق" للواقع والسياسة.
تفكيك "الإنسانية الانتقائية":
بجرأة القيادة الهاشمية المعهودة، فنّدت جلالة الملكة رانيا بجرسٍ أخلاقي مفهوم "التعاطف المجزأ" أو "الإنسانية الانتقائية" التي تُفرِّق بين حياةٍ وأخرى بناءً على الجغرافيا، مؤكدةً أنَّ استدامة الاقتصاد العالمي لا يمكن أن تتحقق في ظل غياب العدالة المطلقة والاعتراف بكرامة كل إنسان على حد سواء.
أفق التطبيق: من الفكر الملكي إلى السياسة العملية:
إنَّ ما طرحته جلالة الملكة يتجاوز التنظير إلى مسارات عملية؛ فـ "السيادة الإنسانية" تتطلب اليوم صياغة تحالفات دولية ترفض "ازدواجية المعايير"، وتتبنى نموذج "الاستثمار المسؤول" الذي يدعم الدول المستضيفة للاجئين كالأردن، باعتبار استقرارها مصلحة اقتصادية عالمية. كما أنَّ مواجهة "الانفلات الرقمي" تستوجب دبلوماسية تقنية تربط بين التطور التكنولوجي وبين حماية الهوية البشرية، مما يجعل من الرؤية الملكية خارطة طريق لتمكين المجتمعات من مجابهة تحديات الإحلال التقني بكرامة وثبات.
صدى الخطاب: تفاعل النخبة والشارع الهندي مع الرؤية الملكية:
لم يقتصر تأثير خطاب جلالة الملكة رانيا على أروقة القمة، بل أحدث تموجاتٍ فكرية واسعة في الأوساط الهندية؛ حيث توقفت الصحافة الاقتصادية الرائدة، وعلى رأسها صحيفة "ذا إيكونوميك تايمز"، عند قدرة جلالتها على أنسنة لغة المال؛ وقد تجلى الصدى الشعبي في تقدير النخب الفكرية الهندية لمطالبة جلالتها بإنهاء "ازدواجية المعايير"، وهو الطرح الذي تقاطع مع طموحات الهند كصوتٍ رائد للجنوب العالمي. حيث إنَّ هذا الاحتفاء لم يكن مجرد إعجاب ببراعة الخطابة، بل كان اعترافاً دولياً بمكانة جلالتها كأحد أبرز القادة الملهمين الذين يمتلكون القدرة على صياغة وجدان عالمي جديد يربط بين الشرق والغرب، ويضع "الإنسان" في قلب المعادلة الاقتصادية والتقنية.
الخاتمة: بوصلة في زمن التيه:
وفي نهاية المطاف، لم يكن خطاب جلالة الملكة رانيا في نيودلهي مجرد مشاركة دولية عابرة، بل كان استرداداً لهيبة الإنسان في زمن الآلة، فقد أثبتت جلالتها للعالم أنَّ الأردن، بقيادته الهاشمية، يمتلك "الفائض الأخلاقي" الذي يحتاجه كوكبنا المنهك. ويبقى السؤال: هل يجرؤ صنّاع القرار في العالم على تبني بوصلة الملكة رانيا العبدالله قبل أن تُضِل البشرية طريقها؟ إنّها دعوة للمستقبل، صاغتها ملكةٌ تسكن قلب الأردن، ويتردد صدى ضميرها في أرجاء المعمورة.