الأخبار

د. رعد محمود التل : تسديد المتأخرات المالية للجامعات

د. رعد محمود التل : تسديد المتأخرات المالية للجامعات
أخبارنا :  

قرار مهم لمجلس الوزراء بجلسته الاخيرة تضمن سداد ما يقارب من 100 مليون دينار مستحقات "متأخرة" للجامعات الحكومية، وهو جزء من متأخرات أخرى تسعى الحكومة لسدادها كامله على فترات كما أشار الرئيس بلقائه الاخير المتلفز. طبعاً من المستغرب أصلاً وجود هذه المتأخرات المالية المستحقة (تقارب 1.7 مليار دينار) لجهات مختلفة سواء مستشفيات أو شركات دوائية أو مقاولين وموردين وغيرهم لكن ملف المتأخرات المالية كان "ملف مغلق" ومؤجل بالنسبة للحكومات المتعاقبة ويسجل لهذا الحكومة البدء بمعالجته.

 

فتح ملف المتأخرات والبدء بتسديدها (سدد ما يقارب 250 مليون دينار العام الماضي) هو تدخل مالي مهم ومؤثر له أثره الايجابي على الاقتصاد الاردني، فقرار تسديد 100 مليون دينار مستحقات مالية متراكمة ومتأخرة للجامعات هو قرار يحمل أبعاداً ماليه واقتصادية من جانب ويحمل بعداً تعليمياً تربوياً من جانب آخر، فقد تحملت الجامعات الحكومية أعباءً مالية متزايدة مع محدودية الايرادات المتدفقه ما خلق فجوة سيولة انعكست مباشرة وبأوقات كثيرة على جودة التعليم والبحث العلمي وتأهيل البنية التحتية والقدرة على استقطاب الكفاءات العلمية المميزة! كما أن القرار يتقاطع مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع رأس المال البشري كأساس للنمو الاقتصادي فلا يمكن تحقيق اقتصاد تنافسي بجامعات مثقلة بالديون.

الأثر الثاني يرتبط بسوق العمل، فالجامعات بشكل عام والحكومية منها هي المنتج الرئيسي لرأس المال البشري في الأردن، وأي ضعف في القدرات التمويلية بها سينعكس مباشرة على مهارات الخريجين. لذلك تحسين الوضع المالي سيسمح بتحديث البرامج، وتطوير المختبرات، وتعزيز التدريب العملي مما سيدفع باتجاه مواءمة الخريجين مع احتياجات الاقتصاد، ويخفض من أرقام البطالة الدورية والهيكلية أيضاً!

من منظور المالية العامة، القرار يبعث إشارات التزام حكومية مهمة وتؤكد بأنها عازمة على إغلاق ملف المتأخرات المتراكمة منذ عقد كامل، وهو بالامر المهم والاساسي لرفع منسوب الثقة بين كافة الاطراف من موردين ومتعاملين، فتراكم المتأخرات هو شكل غير معلن من الاقتراض وتسويتها تعني بالاضافة الى التسوية المالية، تحسين الشفافية وتقليل أي مخاطر مستقبلية وتعزيز الثقة!

أما إقتصادياً يحمل القرار أثراً مضاعفا! فالجامعات ستبدء بتسديد التزاماتها المالية، وهذه الأموال ستعود للدوران في الاقتصاد والأثر لن يقتصر على التعليم، بل سيمتد إلى قطاعات متعددة كالخدمات، الأدوية والمقاولات، والتكنولوجيا، والطباعة، والنقل. وبالتأكيد وفي بيئة اقتصادية تنمو ببطء هذا التدفق النقدي سيكون له قيمة حقيقية. فكثير من الأوقات تكون كلفة التأجيل أعلى من كلفة القرار نفسه وهي رسالة مطلوبة في ملفات أخرى مشابهة.

لكن الأهم يكمن في ما بعد سداد المتأخرات! فمعالجة المتأخرات خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية والاهم هو عدم إعادة إنتاج الملف من جديد. لذلك المطلوب الانتقال من حلول مؤقته إلى إصلاح هيكلي لنموذج التمويل الحكومي وخاصة التعليم العالي. هذا يشمل ربط الدعم الحكومي بالأداء وتنويع مصادر الدخل مع تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص. بالاضافة الى توسيع البحث التطبيقي وإعادة النظر في سياسات القبول والبرامج الراكدة. من دون ذلك، ستعود المتأخرات بثوب جديد.

إن البدء بتسديد المتأخرات المالية ليس ترفاً حكومياً خاصة المتعلقة بمستحقات الجامعات الحكومية فهي ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل استثمار مؤجل جرى تصحيحه. استثمار في التعليم، وفي الثقة، وفي الاستقرار، وفي النموالاقتصادي. القيمة الحقيقية لقرار مجلس الوزراء ستظهر إذا تبعته إصلاحات جريئة تمنع تكرار تراكم أي مستحقات مالية. هنا فقط يتحول السداد من حدث مالي مؤقت إلى نقطة تحول اقتصادية. ــ الراي

مواضيع قد تهمك