الأخبار

علي ابو حبلة : شمال الضفة الغربية مناطق منكوبة: توصيف قانوني وواجب دولي مُلح

علي ابو حبلة : شمال الضفة الغربية مناطق منكوبة: توصيف قانوني وواجب دولي مُلح
أخبارنا :  

تعيش مدن طولكرم وجنين وطوباس ومخيماتها، ولا سيما مخيمي طولكرم ونور شمس وجنين، أوضاعًا إنسانية واقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، وما رافقها من تدمير للبنية التحتية، ونزوح قسري واسع، وشلل شبه كامل لمرافق الحياة الأساسية. وقد أدى هذا الواقع إلى إخراج هذه المناطق فعليًا عن قدرة السلطات المحلية على توفير الحد الأدنى من الخدمات، ما يفرض توصيفها قانونيًا بأنها مناطق منكوبة وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.

إن مفهوم «المنطقة المنكوبة» في القانون الدولي لا يقتصر على الكوارث الطبيعية، بل يشمل أيضًا المناطق التي تتعرض للحروب والعمليات المسلحة والتهجير الجماعي، عندما تعجز السلطات عن الوصول إليها لتقديم خدمات التعليم والصحة والغذاء والمياه والمأوى. ويعتمد العرف الدولي معيار الخسائر التي تتجاوز 25% من الخسائر المادية أو المعنوية، وهو ما ينطبق بوضوح على مدن شمال الضفة الغربية ومخيماتها.

وقد أكدت اتفاقيات لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة وميثاق الأمم المتحدة هذا المفهوم، حيث نصت المادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة على صلاحية الأمين العام في تنبيه مجلس الأمن إلى أي وضع يهدد السلم والأمن الدوليين، بما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا. كما عالج البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، ولا سيما المادة (61)، أوضاع المناطق المنكوبة من خلال تنظيم مهام الدفاع المدني، التي تشمل الإغاثة، والإجلاء، وتوفير المأوى، والخدمات الطبية، وضمان بقاء السكان المدنيين على قيد الحياة.

وبصفتها القوة القائمة بالاحتلال، فإن إسرائيل ملزمة قانونًا، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وبروتوكولها الأول، بحماية السكان المدنيين، وضمان المرور السريع وغير المعرقل للمساعدات الإنسانية والعاملين في الإغاثة، وعدم استخدام الحصار أو التهجير القسري أو العقاب الجماعي. غير أن الواقع الميداني في شمال الضفة الغربية يؤكد تنكّر سلطات الاحتلال لهذه الالتزامات، رغم القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن، وفتاوى محكمة العدل الدولية.

إن ما تتعرض له مدن ومخيمات شمال الضفة الغربية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من القتل الممنهج، والتدمير، والتهجير القسري، وهي أفعال تندرج، وفق القانون الدولي، ضمن الجرائم ضد الإنسانية. وقد كشفت هذه الجرائم زيف كثير من الشعارات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، وازدواجية المعايير التي منحت الاحتلال غطاءً سياسيًا وإعلاميًا، رغم حجم الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.

الخاتمة والتوصيات القانونية

إن إعلان طولكرم وجنين وطوباس ومخيماتها مناطق منكوبة ليس مطلبًا سياسيًا، بل إجراء قانوني وإنساني يهدف إلى تفعيل آليات الحماية الدولية، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه إقليم محتل تُشن عليه عمليات عسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

وبناءً عليه، نوصي بما يلي:

دعوة الأمين العام للأمم المتحدة لتفعيل المادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة، وتنبيه مجلس الأمن إلى الكارثة الإنسانية في شمال الضفة الغربية باعتبارها تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

إلزام إسرائيل، بقرار من مجلس الأمن، بالسماح الفوري وغير المشروط بدخول المنظمات الدولية والإنسانية إلى مدن ومخيمات شمال الضفة الغربية، ووقف العمليات العسكرية ضد المدنيين.

تفعيل آليات المساءلة الدولية أمام مجلس حقوق الإنسان، ودعم اختصاص محكمة الجنايات الدولية في التحقيق بجرائم القتل والتهجير القسري والتدمير واسع النطاق.

تحمل الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف مسؤولياتها القانونية، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة، والعمل على ضمان احترام القانون الدولي الإنساني.

التأكيد أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة أو الحصار، بل عبر إنهاء الاحتلال، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.

إن بقاء إسرائيل خارج نطاق المساءلة القانونية يهدد منظومة القانون الدولي برمتها، ويقوض فرص العدالة والسلام، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لا يجوز التنصل منها.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك