فراس النعسان : القانون خارج المشهد
فكرة اختفاء السلطة لا تبدأ من الواقع، بل من الخيال.
منذ سنوات، وأنا أتابع المسلسلات، لا بوصفها حكايات حب وانتقام فحسب، بل كتمرين غير معلن على التعايش مع عالم بلا دولة. أحياء كاملة تُرتكب فيها الجرائم، مطارات تمرّ عبرها الصفقات السوداء، قصور تُدار فيها شبكات العنف والابتزاز، وكل ذلك من دون شرطي واحد يقطع المشهد، أو قاضٍ يرفع رأسه، أو محكمة تفتح أبوابها. كأن الأمن تفصيل زائد، وكأن النظام عبء درامي يمكن الاستغناء عنه. كنت أستغرب، ثم أُسكت دهشتي بجملة مريحة: هذا خيال والخيال لا يُحاسَب.
لكن الواقع، كما تبيّن لاحقاً، لم يكن أقل عبثاً من الدراما، بل أكثر وقاحة.
قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل اختباراً قاسياً لفكرة الدولة الحديثة. رجل واحد، على مدى سنوات طويلة، يرتكب جرائم إنسانية موثقة، في قلب ما يُسمّى بدول القانون والمؤسسات، من دون حسيب أو رقيب. لا لأن الأدلة غائبة، بل لأن الدائرة التي أحاطت به كانت أعلى من المساءلة، وأثقل من أن تُستدعى إلى التحقيق. فجأة، بدا العالم كما لو أنه خرج من تحت سيطرته، تماماً كما في تلك المسلسلات التي كنا نسخر من مبالغتها.
إبستين لم يكن شبحاً يعمل في الأزقة الخلفية، بل شخصية تتحرك في الضوء. كان يجلس إلى جوار بعض الرؤساء، يبتسم لكبار رجال المال، ويدخل صالونات السياسة من أبوابها الأمامية. كان يعرف الكثير، والمعرفة في هذا العالم ليست فضيلة أخلاقية دائماً، بل أداة قوة. لذلك ظل محمياً، لا بنص القانون، بل بصمت القانون. صمت المؤسسات، صمت الإعلام الانتقائي، وصمت النخب التي أدركت أن سقوط رجل واحد قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها.
وهنا يتكثف السؤال، لا بوصفه استفهاماً عابراً، بل بوصفه قلقاً وجودياً: هل كان إبستين استثناءً؟ أم نموذجاً؟
العالم الحديث يصرّ على تقديم نفسه كمنظومة محكمة الإغلاق: كاميرات في كل زاوية، أجهزة استخبارات عابرة للحدود، تشريعات لا تُحصى، وخطاب يومي عن سيادة القانون. لكن ما لا يُقال، أو لا يُراد له أن يُقال، إن هناك طبقة تتحرك فوق هذه المنظومة، لا داخلها. طبقة لا تُفتَّش بسهولة، ولا تُحاكم بسرعة، ولا تُدان غالباً. في هذه المنطقة الرمادية، تتحول الجريمة إلى «قضية»، والقضية إلى «خبر»، والخبر إلى نسيان منظم.
ما يجمع بين دراما المسلسلات وفضيحة إبستين ليس ضعف الحبكة ولا خلل الواقعية، بل تطبيع غياب الدولة. حين نعتاد، في الخيال، على عالم بلا شرطة، نُدرَّب نفسياً على تقبّل عالم بلا مساءلة. وحين نكتشف، في الواقع، أن الجرائم الكبرى تمرّ بلا عقاب، نفهم أن الدراما لم تكن بعيدة عن الحقيقة، بل كانت تمهيداً بطيئاً لها.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس لماذا تأخر الحساب، ولا كيف أفلت الجناة، بل سؤال أشد قسوة:
كم مرة عشنا، من دون أن ننتبه، في عالم كان فيه القانون خارج المشهد؟