الأخبار

د.ثروت المعاقبة : بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي: هل يمكن لمسؤول أن يظلم مواطنًا؟

د.ثروت المعاقبة : بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي: هل يمكن لمسؤول أن يظلم مواطنًا؟
أخبارنا :  

أثار تصريح عامر بني عامر في الآونة الأخيرة بموقع صراحه نيوز والذي تمثل بمقولة: "لا يمكن لأي مسؤول في الدولة الأردنية أن يؤذي أو يظلم مواطن" جدلًا واسعًا على منصات التواصل، إذ اعتبره كثيرون بعيدًا عن الواقع الذي يعيشه الناس، بينما رأى آخرون أنه يعبر عن الصورة المؤسسية التي تسعى الدولة لترسيخها، وبين هذين الرأيين، يبقى السؤال الأعمق.... هل يمكن فصل النوايا عن الممارسات؟ وهل تكفي النصوص القانونية لضمان العدالة؟

وسأبين معاني مهمه يجب الوقوف عندها تتمثل بما يلي:

أولا. خطاب رسمي يحمل نوايا إيجابية
لا شك أن مؤسسات الدولة، وفق منظومتها القانونية والتشريعية الراسخة، قامت على مبادئ واضحة ترسّخ النزاهة، وتدعم سيادة القانون، إذ إن النظم الإدارية في الأردن تراكمت عبر عقود طويلة لم تكن مجرد إجراءات فقط، بل كانت نتاج تجربة دولة سعت إلى بناء إطار يحول دون التعسّف ويضبط ممارسة السلطة السلبية. فقد وُضعت نصوص واضحة تمنع استخدام الصلاحيات بغير وجه حق، وتكفل للمواطن حق التظلّم واللجوء إلى التحقيق الإداري العادل، كما فُعّلت وحدات رقابية ومساءلة داخلية وخارجية تتابع القرارات وتراجع الإجراءات لضمان التوازن المؤسسي، ومن زاوية هذا البناء القانوني، يمكن قراءة تصريح بني عامر باعتباره تذكيرًا بالأساس الذي قامت عليه الدولة، لا توصيفًا لواقع مثالي نعيشه؛ فهو يشير إلى ما يجب أن تكون عليه مؤسسات الحكم: منظومات مصممة لحماية المواطن ومنع الظلم، وإيجاد بيئة تُدار فيها السلطة وفق قواعد واضحة تمنع الانحراف وتجعل العدالة المعيار الأول لأي قرار.

ثانيا. التعليقات الشعبية كشهادة ميدانية حيه.

التعليقات التي جاءت رفضًا قاطعًا للتصريح لم تأتِ من فراغ. الناس لا تتفاعل مع القوانين المكتوبة، بل مع ما يواجهونه في من :

معاملة بعض الموظفين والمسؤولين.

بطء الإجراءات وتعطيل المعاملات.

تباين التعاملات من موظف لآخر.

سوء استخدام السلطة في بعض المواقع.

غياب المساءلة الفاعلة في حالات محددة.

وهذه تجارب يومية تُشعر المواطن أن الظلم ممكن، وليس مجرد احتمال نظري أو تصريح رسمي.

ثالثا. بين الفرد والمؤسسة أين يحدث الخلل؟

المؤسسة كمنظومة قد تكون عادلة، لكن الشخص الذي يديرها أو يتصرف باسمها قد يسيء استخدام صلاحياته.

الظلم قد لا يكون سياسة عامة، لكنه قد يتجسد في ما يلي :

قرار إداري تعسفي.

تأخير غير مبرّر في معاملة.

تعامل متكبّر من مسؤول.

حرمان موظف من حقه بسبب مزاج المسؤول.

استخدام المنصب لتصفية خلافات شخصية.

إذن، الظلم ليس مستحيلًا.....

رابعا. لماذا ينفي الناس إمكانية "استحالة الظلم"؟

لأن المواطن لا يحاكم الفكرة من حيث النية، بل من حيث الواقع.
وواقع الإدارة العربية عمومًا وليس الأردن فقط ما زال يعاني من:

البيروقراطية الثقيلة.

ضعف ثقافة الخدمة العامة لدى بعض

المسؤولين وعدم معرفتهم مقصدها.

تفاوت في المهنية والعدالة بشكل عام.

غياب الرقابة على الأداء اليومي.

اعتبار المنصب أداة للبطش وليس أداة للعمل والإنجاز.

لذا يرى المواطن أن إطلاق تصريح مثالي من دون الاعتراف بوجود مشكلات هو تجاهل للمعاناة اليومية التي يراها ويعيشها بمرها وحلوها.

خامسا. دولة المؤسسات تحتاج اعترافًا قبل الدفاع الدول التي تنجح في بناء ثقة المواطن هي تلك التي:

تعترف بوجود الخلل.

تفتح الباب للنقد والتصويب.

تفعّل آليات الشكوى بشكل حقيقي.

تحاسب المسيء مهما كان موقعه.

ومثل هذا الاعتراف لا يضعف الدولة، بل يقوّيها ويمنح المواطن شعورًا بأن صوته مسموع وأن العدالة ليست شعارًا بل ممارسة.

سادسا. ما الذي يحتاجه المواطن اليوم؟

المواطن الأردني لا ينتظر تصريحات مثالية، بل ينتظر أن يرى :

عدالة حقيقية تُمارس يوميًا.

شفافية في القرارات.

محاسبة للمسؤول المسيء.

حماية من التعسّف.

موظفًا يعامله باحترام.

عندها فقط سيصدق الناس أن الظلم غير ممكن، لا لأن المسؤولين كاملون، بل لأن النظام يمنعهم من ذلك مهما كانت نواياهم.

تصريح بني عامر يعكس نموذج الدولة كما يُفترض أن تكون، لكن ردود الناس تعكس نموذج الواقع كما هو دون تزييف.

والحكمة تقتضي أن نصل إلى منطقة الوسط:
الاستمرار في بناء دولة القانون، مع الاعتراف بأن بعض الممارسات الفردية تسيء لصورة المؤسسات وتحتاج إلى معالجة جذرية.

فالعدل لا يتحقق بالتصريحات..… بل بالممارسات اليومية التي يلمسها المواطن في كل دائرة ومؤسسة.

ومن واقع التجربة الشخصية، يتضح أن كثيرين لا يستخدمون السلطة لإحقاق الحق ولا لرسم ملامح العدالة، بل لأغراض أخرى غامضة لا تُفهم بسهولة، والخطورة الحقيقية تكمن حين يبدأ الفرد بالشعور أن العدل لم يعد قيمة تُمارس، بل شعارًا فقط، بينما يغيب عن القرارات والسلوك اليومي. عندها لا يُقوَّض الإحساس بالإنصاف فحسب، بل تهتز الثقة، ويصبح الظلم أمرًا مألوفًا نتعايش معه بصمت.

مواضيع قد تهمك