الأخبار

م. هاشم نايل المجالي : فوضى التفاخر بالماضي!

م. هاشم نايل المجالي :  فوضى التفاخر بالماضي!
أخبارنا :  

إن استدعاء صفحات الماضي، والنظر في التاريخ وما يحمله من مواقف مشرِّفة، وقصص وحكايات لبطولات مشرِّفة، لا يكون ذلك بغرض الاستعراض فقط أو التسلية بحكايات فحسب، إنما هو أداة نحو تغيير الحاضر والتهيئة لتحديات المستقبل.
بعد أن بدأنا نشعر أن أمتنا قد دبَّ فيها داء الهروب من التاريخ، من خلال هروبنا من مواجهة واقعنا باستدعاء التاريخ وأمجاده، والاكتفاء بذلك بدل أن نصنع تاريخًا تمجِّده أجيالنا.
لماذا نلجأ إلى الحيل النفسية لنواري عجزنا عن مسايرة الغرب في تقدُّم صناعاتهم وحضارتهم، والتي أخذت بأسباب القوة بالصناعات في شتى المجالات؛ العسكرية، والفنية، والتقنية، والاقتصادية، بينما توقفنا نحن عند حدود الماضي، مسرورين بما قطعناه من خطوات في بعض المجالات المحددة، دون أن يكون هناك نهضة شاملة لنجعل منها قدمًا وساقًا مع دول الغرب المتطورة.
نحن نعاني من فوضى التفاخر بالماضي، ولقد أصبح المجد السابق الذي نعتز ونفتخر به هو بضاعتنا في التعريف عن أنفسنا، مع أن التفاخر بذلك التاريخ لن يدفع عجلة الاقتصاد، ولن يحل المشكلات ولا الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولن يسهم في التطور التقني والتكنولوجي، ولن يجعل القوى العسكرية في مصاف ما وصلت إليه الدول الغربية من تطور تقني وفني.
في ذلك، ما فائدة أن تتراشق الدول فيما بينها، لتحاصر بعضها البعض، لتهيمن على كل ما يضر بها لتفعله ولو بالقوة، وكأننا أعداء فيما بيننا، وتتفاخر كل دولة بنفسها أن لها حضارة وقوة اقتصادية وعسكرية؟
هل هذا هو التفاخر؟ نعم، أجدادنا فعلوا، فماذا فعلنا نحن ، لقد كان هذا ماضي أجدادنا، فما هو حاضرنا، ليست المشكلة في أن تعتز الأمم بتاريخها، فالتاريخ هو الذاكرة الجماعية، والرصيد الرمزي الذي يمنح الشعوب هويتها ومعناها.
لكن المعضلة الكبرى التي تعاني منها أمتنا تكمن في أنها حبست نفسها داخل الماضي، لتكتفي بالنظر إلى تاريخها المجيد نظرة تمجيد وتقديس، دون أن نسعى ونعمل لتحويل هذا التاريخ إلى مصدر للعبرة، أو إلى جسر يعينها على فهم واقعها ومواجهة تحديات عصرها، والعبور بثقة نحو المستقبل، إن المجد لا يُستعاد بالتغني به دومًا، بل بالعمل وفق السنن، وهي العلم والعمل والهوية والجد والمثابرة، واستقراء المستقبل بكل قراءاته ومعطياته، فالمتغيرات كثيرة، والأزمات أكبر، وتكبر يومًا بعد يوم.
فأسلافنا لم يتقدموا لأنهم عاشوا على أمجاد من سبقهم، بل لأنهم واجهوا واقعهم بكل قوة وشجاعة وتضحية، وأبدعوا بالوفاء والإخلاص والانتماء لوطنهم، وابتكروا حلولًا تناسب زمانهم، إن أخطر ما تواجهه أمتنا اليوم هو تحويل الماضي إلى بديل عن الحاضر، وإلى مبرر للعجز، بدل أن يكون دافعًا للنهوض.
فالعالم من حولنا يتغير بسرعة هائلة، تُقاس فيها قوة الأمم ومدى قدرتها على الابتكار، وعلى استيعاب التطور والتحولات العلمية والتكنولوجية، إن التذكير بالماضي والأجداد العظام يفلح فحسب مع من يعتبر بذلك الماضي، ويتخذ منه نبراسًا، ويقتبس منه ما يضيء الطريق نحو المستقبل المزهر.
إن النظر إلى التاريخ لا يصلح أن يكون مهجعًا للاستغراق في النوم، وإنما هو منطلق لأن نستلهم من الماضي لإصلاح الحاضر، والعبور المتزن الآمن إلى مستقبل مشرق، وتحقيق النهضة التي نسعى إليها بكل إمكانياتنا، بعزم وتصميم.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك