اسماعيل الشريف : ماريا بنت العلقمي
مثل الذي خان وطنه وباع بلاده كمثل الذي يسرق من مال أبيه ليطعم اللصوص؛ فلا أبوه يسامحه، ولا اللص يكافئه- نابليون بونابرت.
ارتبط
اسم ابن العلقمي بالخيانة في الذاكرة العربية، حتى غدا يُستدعى كلما ذُكرت
الخيانة وتجلياتها. فقد كان وزيرًا للخليفة المستعصم بالله في أواخر العصر
العباسي؛ رجلًا واسع الدهاء، بارعًا في شؤون الدواوين، غير أن المصادر
الإسلامية تصوّره حاملاً في داخله حقدًا دفينًا ورغبةً جامحة في الانتقام
من خصومه داخل الدولة. وحين لاح له خطر المغول، لم يرَ فيه تهديدًا، بل
فرصةً سانحة لتصفية حساباته وتحقيق طموحه، حتى بلغ به الأمر أن أقنع
الخليفة بتقليص قواته بذريعة التوفير، وطمأنه إلى أن المغول لن يهاجموا
بغداد، بينما كان في الخفاء ينسّق معهم ويمهّد لدخولهم إليها.
وفي عام
656 هـ، الموافق 1258 م، اجتاحت جيوش هولاكو بغداد، فشهدت المدينة مجزرةً
مروّعة بحق أهلها، وأُحرقت خزائن الكتب، وقُتل الخليفة. سقطت بغداد كما
أراد ابن العلقمي، غير أن ما حسبه نصرًا انقلب هزيمةً مُهينة؛ إذ لم يضعه
المغول في موضع الحكم، بل أهانوه وأقصوه، ليقضي ما تبقى من أشهر عمره
ذليلًا مكسورًا.
وقصة ابن العلقمي ليست حادثةً معزولة في التاريخ، بل
نموذجٌ يتكرر؛ خائنٌ يفتح الأبواب للغزاة، فيكافئونه بأن يرمَوه من النوافذ
بعد انتهاء دورهم.
وقبل أن تُقدِم الولايات المتحدة على محاولة اختطاف
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كانت أدواتها قد سبقتها إلى الميدان، إذ
تولّى الإعلام تهيئة الرأي العام عبر شيطنة الرئيس وتصويره على أنه زعيم
كارتل مخدرات، تمهيدًا لتبرير الاعتداء وتشديد الحصار على فنزويلا. وفي
الداخل الفنزويلي، برزت نسخة معاصرة من «ابن العلقمي» تمثّلت في زعيمة
المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، حيث بدأت الماكينة الإعلامية بتلميع صورتها
وتقديمها بوصفها المنقذ المنتظر لفنزويلا من الديكتاتورية.
ولعلّ من
أبرز أدوات الولايات المتحدة في هذه القصة جائزة نوبل للسلام، وهي جائزة لم
تسلم، في تاريخها، من أن تُمنح لعتاة المجرمين؛ من مناحيم بيغن، قائد
عصابة الإرغون الصهيونية والمسؤول عن مجزرة دير ياسين في فلسطين، إلى هنري
كيسنجر، أحد مهندسي حرب فيتنام، ويداه ملوّثتان بدماء ملايين الضحايا،
وغيرهم. وفي السياق ذاته، مُنحت الجائزة عام 2025 لزعيمة المعارضة
الفنزويلية، بذريعة تقدير جهودها في تعزيز الديمقراطية والحقوق
الديمقراطية، والعمل على انتقال عادل وسلمي من الديكتاتورية إلى
الديمقراطية في فنزويلا. وقد جرى تسليم الجائزة بإخراج هوليوودي لافت،
صُوّرت خلاله على أنها هربت من البلاد خصيصًا لتسلّم جائزتها. وهنا يفرض
سؤالٌ بديهي نفسه: إذا كان النظام الحاكم ديكتاتوريًا بالفعل، فلماذا لم
تكن السيدة ماريا معتقلة؟
ومثل ابن العلقمي، كان لا بدّ أن تُقدّم
قرابين الطاعة والولاء للولايات المتحدة وللكيان الصهيوني؛ فخالفت توجهات
شعوب أميركا اللاتينية الحرّة مخالفةً شبه تامة، ووصفت إيران بأنها تهديد
لأمن فنزويلا، وأعلنت دعمها العلني للكيان الصهيوني، وصرّحت بأن نقل سفارة
فنزويلا من تل أبيب إلى القدس سيكون جزءًا من سياستها الخارجية. ولم يكن
مستغربًا، في هذا السياق، أن يكون مجرم الحرب نتن ياهو أول من هنّأها
بفوزها بجائزة نوبل للسلام.
وكما فعل ابن العلقمي من قبل، أيّدت صراحةً
الضغط العسكري الأميركي وسياسات تجويع الشعب، وذهبت إلى تبرير اختطاف
الرئيس مادورو، وهو سلوكٌ أدانه حتى أشدّ خصومه، لما ينطوي عليه من مساسٍ
مباشر بالسيادة وإهانةٍ صريحة للوطن.
وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي،
شرعت ماريا في الاستعداد لتسلّم «مكافأتها» في حكم فنزويلا على ظهر الدبابة
الامريكية ؛ ولعلها اشترت ملابس تليق بـ«الرئيسة» المرتقبة من متاجر
نيويورك، وتدرّبت على خطاب تسلّم الحكم. غير أن المحتلّ كرّر سنّته القديمة
مع من يخدمونه؛ إذ صرّح الرئيس ترامب بأنه لا يعتقد أن ماريا تحظى بالدعم
والاحترام الكافي داخل البلاد لقيادة فنزويلا، وأن فرصها في أن تكون زعيمة
للبلاد ضعيفة للغاية، لافتًا إلى افتقارها للشعبية اللازمة التي تؤهلها
لتولي الحكم.
إنه درسٌ قاسٍ ينبغي للخونة أن يتعلّموه: أدوات الولايات
المتحدة لا تُصان ولا تُكافأ، بل تُلقى في سلة المهملات متى انتهت
صلاحيتها. ولعلّ ابن العلقمي يبتسم ساخرًا وهو يتابع حكاية ماريا، وقد هيّأ
لها مقعدًا إلى جواره في مزبلة التاريخ.