الأخبار

عامر طهبوب : حكايات «الأرشمندريت» (1-3)

عامر طهبوب  حكايات «الأرشمندريت» 1-3
أخبارنا :  

يعجبني الرجل، يعجبني أن الدين لم يسرقه من الدنيا، أَدرك حقيقة أن الدنيا أوسع من الدين، لم تمنعه مهمته الدينية، من البحث في شؤون الإنسانية، وفي الأدب، والعادات، والثقافة، والأصول، والقضاء، والتنقل من فضاء إلى فضاء، الاقتراب من أهل البلاد، ومجالستهم، والاستماع إلى حكاياتهم، وقصّهم، وتقديم منجز بحثي قل نظيره في ذلك الزمان، أصبح مرجعاً قيماً لكل باحث في تاريخ الأردن.

ولد الرجل في دمشق عام 1886، ودرس اللاهوت في القدس الشريف، وأصبح كاهناً عام 1911، عمل في السلط وماعين لمدة خمس سنوات، كان أحد جلساء الملك المؤسس طيب الله ثراهما، منحه وساماً تقديراً لخدماته الجليلة، ومآثره الإنسانية العظيمة، وبثه روح التآلف بين مختلف المذاهب والطوائف، يستأهل إحياء ذكراه، وذكر أفضاله، وتقدير فعاله، وحبه للبلاد وأهلها، كتابه الذي أصدره في بيروت عام 1939، «خمسة أعوام في شرقي الأردن»، مرجع في تاريخ البلاد، قدّم له شاعر القطرين خليل مطران، أبحاثا في الاخلاق، والآداب، والقوانين العشائرية، والمزارات، والأرواح، وحكايات الجبال والأبطاح.

لاقى «الأرشمندريت» بولس نعمان في قصر الأمير عبد الله عام 1927 حفاوة وتأهيلا، وشجعه الأمير عندما عرف بعزمه على تأليف كتابه، أخذ يتنقل في أوقات فراغه بين الحواضر والبوادي، يجلس في خيام البدو، لا في رفاه النوادي، يسمع السرد، والهمس، والحكايا، وصراخ المنادي، يقيم حواراً، يدون أسراراً، ويؤلف مخطوطة في تاريخ بلادي. راقني حديثه عن نمر العدوان، وعن «وضحة»، أو «وضحاء» كما أسماها، وصف نمر العدوان بأنه واحد من مبتكري الشعر الرثائي في شرقي الأردن، «فشعره عودٌ يئنُّ في الصحراء بأنغام شجيّة، يترنّم به الأعراب في كل ربوعهم، وكان له حظ كبير من الهموم والأحزان، وقسط من التعاسة والأشجان، على فقد «وضحاء» امرأته، أسيرة حياته، ومنية فؤاده، وموضوع سروره وكآبته، مراثيه، كشفٌ عن ما كابده من غُضض الزمان، وما تجرّعه من مرارة المحن لفراقها».

تذكرت وأنا أعبُر على قراءة كلمات «الأرشمندريت»، الراحل عز الدين المناصرة، سألته وأنا أجالسه على قمة نفس الجبل الذي دفن فيه الراحل بولس نعمان، سألته: ما الذي أعجبك في جفرا؟ جفرا الحبيبة التي استشهدت في «الحازمية» حيث استشهد غسان كنفاني، سألته عن سر جفرا، قال: دماثتها. يقول «الأرشمندريت» أن نمر العدوان لم يتولع بجمال محبوبته البارع، إنما بصفاتها العجيبة، ورقة ذوقها، وإكرامها للضيف، إذا رأته مقبلا، ابتسمت، وأسرعت لاستقباله ببشاشة ولطف، وإذا حضرت في مجلس شيوخ، قدمت الإكرام لهم وتراجعت دون أن تبدي لهم ظهرها، وفي أيام المجاعات، كان بيتها حافلاً بكل أنواع الطعام، فلما رحلت، خرج حبيبها في القفار يذرف الدموع، جلس على قبرها زمناً طويلاً لا يذوق طعم النوم، وكبر ابنه «عقاب»، وأصبح فارساً لا يشق له غبار، ورحل نمر، ودفن في ياجوز، يقول الأرشمندريت: «وياجوز هذه قرية قريبة من السلط، تبعد عنها ثلاث ساعات نحو الشرق، وقبر وضحاء في غور نمرين».

ومن حكايا «الأرشمندريت»، ما ذكره على أن الأعراب كانوا يُجلّون عيون الماء، لما رأوا فيها من قوة غريبة، وما عهدوا فيها من سلطة أرواح، إضافة إلى ما توفره من سقاية لهم ولماشيتهم، وأول مرتع للأرواح، حمّام الزرقاء المعدني، - تلك المياه التي أقام هيرودس الكبير على ضفافها - يأتي الأهالي ويقيمون مناسكهم على جنباتها المزروعة بالقصب الطويل، يستظلون تحت خيامهم، وقبل أن يخوضوا في تلك المياه، يذبحون ذبيحة لرب المياه، زارها «الأرشمندريت» عام 1915، وشاهد الناس وهم يستحمون في مياها، تغور طوراً تحت الأرض ثم ترتفع متفجرة نحو السماء، فإذا غارت قالوا: رب الماء غضب علينا، وإذا سالت قالوا: رضي علينا النبي سليمان.

لم تكن الزرقاء العين الوحيدة المقدسة، العين التي تسكنها الأرواح، ولكن عين السويمة أيضاً، وسيل الغوير، وعين المنشلة، وعين الحمارة، وسيل الصافية، وماعين، وسيل الهيدان، ووادي الموجب، ووادي جبل شيحان، ووادي الكرك، وغور الصافي، وعين الحرامية، وعين الجادور في السلط، وعين الفرنج في الكرك، وعين الحمرة وراء سهول الأردن الشرقية، والعدوان كانوا يذبحون على جدول نمرين لرب المياه، يغرّبون، ينزلون في الشتاء إلى هضاب الأردن الشرقية اتقاء لبرد الجبال القاسي، ويرتقي أهل الغور إلى شرفات السهل، أو إلى «الشّقا»، يذبحون لرب العيون، وبنو صخر كانت لهم مياههم المحفوظة في الرمال، يوردون إليها أغنامهم أيام التشريق، ويخشون أن يضربوا أطنابهم، قبل إبداء فرض الذبيحة، وترتفع أصواتهم: دستور يا رب الماء !

رب الماء هو الذي أنزل المطر على البلقاء بعد أن أمسكت السماء عام 1913، يوم أمر القاضي جميع الملل من المسلمين والمسيحيين، الصعود إلى مقام النبي «هوشع» على رأس الجبل، فصعد القوم، صلوا واستغاثوا، وأقاموا الصلوات، صغيرهم وكبيرهم، كل على طريقته، وفي تلك الليلة، هطلت الأمطار، وجرت السيول، وغرقت السهول. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك