د. أحمد ناصر الطهاروه : الإرهاب يستوجب حزمًا تشريعيًا
حين يستهدف الإرهاب وطنًا أو مواطنًا أو رجل أمن يؤدي واجبه، فإنه يعتدي على حق المجتمع كله في الحياة والاستقرار. ومن هنا، فإن حماية الأردن تستوجب مراجعة مستمرة للتشريعات التي تواجه الإرهاب، بما يضمن تناسب العقوبة مع جسامة الجريمة، ويمنع أن تتحول بعض قواعد التخفيف أو تنفيذ الأحكام إلى منفذ يُضعف الردع.
لقد أثبتت أجهزتنا الأمنية كفاءتها وتضحياتها في حماية الوطن، ويستحق هذا الجهد منظومة تشريعية تواكبه. فلا يكفي القبض على الإرهابي وإحالته إلى القضاء؛ بل يجب أن تكون العقوبة المحكوم بها وتنفيذها الفعلي معبّرين عن خطورة فعله، وعن حجم الاعتداء الذي ألحقه بالضحايا وأسرهم وأمن المجتمع.
وأرى أن الأولوية تتمثل في تعديل النصوص الناظمة لاجتماع العقوبات، باستثناء الجرائم الإرهابية المتعددة والمستقلة من إمكان الاكتفاء بتنفيذ العقوبة الأشد دون سواها. فحين يرتكب الجاني جرائم إرهابية منفصلة، يجب أن تترتب على كل جريمة مسؤوليتها وعقوبتها، وأن ينص القانون صراحة على تنفيذ العقوبات المؤقتة بالتعاقب، ضمن حدود خاصة تتناسب مع خطورة هذه الجرائم.
والمقصود هنا منع الإدغام الذي يُفرغ تعدد الجرائم من أثره العقابي، مع التمييز بين تعدد الأفعال الإجرامية المستقلة وبين تعدد الأوصاف القانونية لفعل واحد. فالحزم التشريعي يحتاج إلى نص دقيق يحقق العدالة ويحفظ حقوق الضحايا، ويمنع الالتباس عند التطبيق.
كما تقتضي المراجعة رفع الحدود الدنيا للعقوبات في الجرائم الإرهابية التي تستدعي ذلك، وتشديدها عند التكرار، وعند استهداف رجال الأمن والقوات المسلحة ودور العبادة والمرافق الحيوية. ويجب أن تشمل المراجعة ضوابط استعمال الأسباب المخففة، بحيث لا يصبح إسقاط الحق الشخصي وحده مبررًا لتخفيف غير متناسب في جريمة يتجاوز أثرها الضحية المباشرة إلى المجتمع والدولة.
ولا بد كذلك من محاسبة المحرّض والمموّل والمجنّد وكل من يثبت اشتراكه في الجريمة. فمواجهة المنفذ وحده تترك شبكات الاستقطاب والإسناد قادرة على إنتاج منفذين جدد. وهذه المحاسبة يجب أن تقوم على أدلة واضحة ومسؤولية فردية، مع التمييز الدقيق بين الرأي المشروع والتحريض على العنف أو المساهمة في الإعداد له.
ومع ذلك، فإن تشديد العقوبات وحده لا يكفي. فالمواجهة الفاعلة تجمع بين الردع، وسرعة المحاكمة العادلة، وتجفيف التمويل، وتفكيك خطاب التكفير، وتقييم مهني للخطورة قبل الإفراج، ومتابعة قانونية منضبطة بعده.
إن المطالبة بتغليظ عقوبات الإرهاب تنطلق من حق الوطن في الحماية، وحق المواطن في الأمان، وحق الضحايا في عدالة فاعلة. والأردن، الذي يقدّم أبناؤه التضحيات دفاعًا عنه، يستحق تشريعات واضحة وحازمة، تجعل لكل جريمة إرهابية تبعتها، وتغلق منافذ التساهل، وتحفظ في الوقت ذاته سيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.