اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عصام المساعيد : ضرورة مراجعة التشريعات وتغليظ العقوبات في مواجهة الإرهاب

عصام المساعيد :  ضرورة مراجعة التشريعات وتغليظ العقوبات في مواجهة الإرهاب
أخبارنا :  

لا يمكن النظر إلى أمن الأوطان باعتباره شأناً أمنياً محضاً، أو مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المختصة وحدها، فهو الركيزة التي تستند إليها الدولة في حماية سيادتها وصون استقرارها وضمان سلامة مواطنيها واستمرار مؤسساتها، وفي ظل التحولات الأمنية المتسارعة، وتنامي أنماط التهديدات وأساليب الجريمة المنظمة والإرهابية، يصبح تطوير المنظومة التشريعية ضرورة وطنية تفرضها متطلبات حماية الدولة والمجتمع، لا مجرد استجابة ظرفية لحادثة أو تطور أمني عابر.

إن ما شهدته المملكة الأردنية الهاشمية مؤخراً، وما سبق ذلك من أحداث وحالات استدعت اهتمام الرأي العام، يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى كفاية التشريعات الجزائية القائمة في مواجهة الجرائم الإرهابية، وقدرتها على تحقيق الردع الفعلي والمتناسب مع خطورة الأفعال المرتكبة وآثارها على الأمن الوطني، فالتحديات التي تواجه الدول لم تعد ثابتة في أشكالها أو أدواتها، والإرهاب لم يعد محصوراً في صورته التقليدية، بل تطورت أساليبه لتشمل التجنيد والاستقطاب والتمويل والتخطيط والتنسيق عبر الحدود والفضاء الرقمي، الأمر الذي يستدعي تشريعات أكثر مواكبة ودقة وفاعلية.

لقد اختار الأردن، بقيادته الهاشمية، أن يكون دولة مؤسسات وقانون، وأن يجعل من سيادة القانون أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع. كما راكمت مؤسساته الأمنية والعسكرية والقضائية خبرات مهمة في حماية أمن المملكة ومواجهة التهديدات التي تحيط بها، غير أن المحافظة على هذه المكتسبات لا تعني الاكتفاء بما تحقق، بل تقتضي مراجعة مستمرة للأدوات القانونية والمؤسسية، بما يضمن بقاء الدولة في موقع الاستعداد والقدرة على التعامل مع مختلف أنماط التهديد.

ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006، وقانون العقوبات والتشريعات الجزائية ذات الصلة، ينبغي أن تكون ضمن أولويات النقاش التشريعي والوطني، فالقانون ليس نصوصاً جامدة، وإنما أداة لحماية المجتمع وتنظيم الحقوق والواجبات ومواجهة التحولات التي تطرأ على طبيعة الجرائم، وكلما تغيرت أنماط التهديد، أصبح من الضروري تقييم مدى كفاية الأدوات التشريعية القائمة، وتحديد مواطن القصور إن وجدت، والعمل على معالجتها ضمن إطار دستوري وقانوني واضح.

إن المطالبة بتغليظ العقوبات على الجرائم الإرهابية لا تنطلق من نزعة عقابية أو رغبة في التشدد لذاته، وإنما من إدراك لحجم الضرر الذي يمكن أن تسببه هذه الجرائم، وما تمثله من اعتداء على حق المجتمع في الأمن والحياة والاستقرار، وعلى سيادة الدولة وهيبة مؤسساتها، فهناك جرائم تتجاوز آثارها حدود الضحايا المباشرين، لتطال السلم المجتمعي والثقة العامة ومقومات الاستقرار الوطني، وهو ما يستدعي أن تكون العقوبات المقررة لها متناسبة مع جسامتها، وقادرة على تحقيق الردع العام والخاص.

وعليه، فإن المرحلة الراهنة تستوجب دراسة تشديد العقوبات على الأفعال الإرهابية التي تستهدف حياة المواطنين، أو سلامة الأجهزة والمؤسسات والمنشآت الحيوية، أو تسعى إلى تقويض الأمن والاستقرار، إلى جانب إعادة تقييم العقوبات المتعلقة بالتخطيط والتحضير والتمويل والتجنيد والتسهيل وتقديم الدعم اللوجستي أو توفير الملاذ للمتورطين، مع التمييز الدقيق بين درجات المسؤولية والمساهمة الجرمية، وضمان خضوع كل فعل لوصف قانوني محدد وعقوبة تتناسب مع خطورته.

كما أن من الضروري إعادة النظر في الأحكام المتعلقة بالعود والتكرار، ومدى ملاءمة العقوبات المقررة في حالات العودة إلى ارتكاب الجرائم الخطيرة، وعدم السماح بأن تتحول الإجراءات القانونية أو الثغرات التشريعية إلى فرصة لإعادة إنتاج الخطر ذاته، فالمساءلة الجنائية لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء لاحق لوقوع الجريمة، بل يجب أن تشكل منظومة ردع متكاملة تحول دون تكرارها وتحمي المجتمع من آثارها المستقبلية.

وفي ظل التحول الرقمي، تبرز كذلك أهمية تطوير النصوص القانونية المتعلقة باستخدام المنصات الإلكترونية ووسائل الاتصال الحديثة في التجنيد والتحريض والتمويل والتخطيط للعمليات الإرهابية، وتعزيز القدرة على ملاحقة الجرائم ذات الامتداد العابر للحدود، وتحديث أدوات الإثبات والتحقيق الرقمي والتعاون القضائي الدولي، بما يضمن عدم تحول التطور التكنولوجي إلى مساحة يستغلها أصحاب الفكر المتطرف والتنظيمات الإرهابية للإفلات من المساءلة.

لكن من الضروري التأكيد أن قوة التشريع لا تقاس فقط بمقدار العقوبة التي يقرّرها، وإنما بمدى وضوحه وقابليته للتطبيق وسرعة إنفاذه وكفاءة المؤسسات المكلفة بتنفيذه، فالعقوبة المشددة التي لا يقابلها إنفاذ فعّال للقانون قد تفقد جانباً من أثرها الردعي، في حين أن منظومة العدالة التي تجمع بين سرعة الإجراءات، وكفاءة التحقيق، واستقلال القضاء، وحتمية المساءلة، تمثل أساساً حقيقياً لتعزيز الثقة بسيادة القانون.

ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطة التشريعية في فتح نقاش جاد ومدروس حول تحديث التشريعات المرتبطة بالأمن الوطني، والاستماع إلى الخبراء القانونيين والأمنيين والقضائيين، وتقييم التجارب المقارنة، والخروج بتعديلات تشريعية واضحة تسد الثغرات وتعزز الحماية القانونية للمواطنين ومؤسسات الدولة، فالتشريع الفاعل هو الذي يستبق المخاطر بقدر ما يتعامل مع نتائجها، ويوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العدالة.

وفي المقابل، لا يمكن أن تنجح المواجهة الأمنية والتشريعية دون مسار موازٍ للوقاية الفكرية والمجتمعية، وتعزيز الوعي الوطني، ومواجهة خطاب التطرف والكراهية، وتجفيف منابع الاستقطاب، وتوسيع دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الاعتدال والانتماء وسيادة القانون، فالأمن المستدام لا يقوم على المعالجة الأمنية وحدها، بل على قدرة الدولة والمجتمع على تحصين البيئة الوطنية من الأفكار والممارسات التي تهدد تماسكها واستقرارها.

وفي هذا السياق، فإن الحزم في مواجهة الإرهاب لا يتعارض مع احترام الحقوق والحريات، بل إن الدولة القوية هي التي تمتلك القدرة على الجمع بين الأمرين؛ فلا تتهاون في حماية مواطنيها، ولا تتجاوز في الوقت ذاته ضمانات العدالة والمحاكمة العادلة. إن النصوص القانونية الدقيقة، والتجريم المحدد، والتناسب بين الجريمة والعقوبة، واستقلال القضاء، ليست قيوداً على مكافحة الإرهاب، وإنما ضمانات لشرعية هذه المواجهة وفاعليتها واستمرار الثقة بها.

لقد أثبت الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الأمنية والعسكرية، قدرة على التعامل مع تحديات إقليمية وأمنية بالغة التعقيد، وحافظ على استقراره في محيط مضطرب تتداخل فيه التهديدات والمصالح والصراعات، وهذه التجربة تستوجب تعزيز عناصر القوة الوطنية، وفي مقدمتها تطوير التشريعات، ورفع كفاءة المؤسسات، وترسيخ الشراكة بين الدولة والمجتمع، وعدم التعامل مع التهديدات الأمنية بمنطق رد الفعل المؤقت.

إن هيبة الدولة لا تُقاس بصرامة الخطاب، وإنما بقدرتها على إنفاذ القانون وحماية مواطنيها ومحاسبة كل من يعتدي على أمنها، ضمن منظومة عدالة لا تستثني أحداً ولا تسمح بالإفلات من المسؤولية، كما أن حماية الوطن لا تعني فقط التصدي للخطر عند وقوعه، بل بناء منظومة تشريعية ومؤسسية قادرة على استباقه والحد من احتمالاته ومواجهة أسبابه.

إن أمن الأردن ليس ملفاً قابلاً للتأجيل، ولا مسؤولية يمكن تجزئتها؛ إنه مصلحة وطنية عليا تتقدم على الاعتبارات كافة. ومن هنا، فإن مراجعة التشريعات وتغليظ العقوبات على الجرائم الإرهابية، بما يتناسب مع خطورتها، لم تعد مجرد مطلب قانوني، بل ضرورة تفرضها مسؤولية الدولة في حماية حاضرها وصون مستقبلها، فالأوطان لا تُحمى بالنوايا وحدها، وإنما بقوة مؤسساتها، وعدالة قوانينها، وحزمها في تطبيقها، وقدرتها على حماية الإنسان الذي وجدت الدولة في الأساس من أجله.

مواضيع قد تهمك