د. عبد الفتاح الحايك : نحو عقوبات رادعة لمواجهة الإرهاب وصون أمن الأردن
في ظل ما يشهده العالم من تحولات أمنية متسارعة، وتنامي أشكال التهديدات الإرهابية وتعدد وسائلها وأساليبها، تبرز الحاجة إلى مراجعة المنظومة التشريعية الجزائية، بما يضمن مواكبتها لطبيعة المخاطر التي تستهدف أمن الدول واستقرار المجتمعات، ويعزز قدرتها على حماية الإنسان ومؤسسات الدولة ومقدرات الوطن.
إن الأردن، الذي اختار على الدوام أن يكون دولة مؤسسات وقانون، استطاع بفضل يقظة أجهزته الأمنية وكفاءة منتسبي القوات المسلحة والأمن العام ودائرة المخابرات العامة، أن يحافظ على أمنه واستقراره في محيط إقليمي مضطرب. غير أن هذه الإنجازات الأمنية لا تعني أن المواجهة تنتهي عند إحباط المخططات الإرهابية أو القبض على مرتكبيها، بل تمتد إلى ضرورة تطوير التشريعات التي تحاسب كل من تسوّل له نفسه استهداف الوطن أو تعريض حياة الأردنيين للخطر.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى تغليظ العقوبات وتشديدها في الجرائم الإرهابية، وإعادة النظر في بعض النصوص القانونية ذات الصلة، تستحق نقاشاً وطنياً وتشريعياً جاداً، لا ينطلق من ردود الفعل الآنية، بل من قراءة موضوعية لطبيعة الجرائم الإرهابية وخطورتها والنتائج التي تترتب عليها.
فالإرهاب ليس جريمة عادية يمكن النظر إليها باعتبارها اعتداءً على فرد أو مؤسسة فحسب؛ إنه اعتداء على أمن المجتمع وحق المواطنين في الحياة الآمنة، ومحاولة لضرب الثقة بمؤسسات الدولة وزعزعة الاستقرار وإثارة الخوف بين الناس، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بحجم خطورته، وأن تتناسب العقوبات مع جسامة الفعل والنتائج المترتبة عليه.
إن المطلوب اليوم دراسة تعديل قانون منع الإرهاب وقانون العقوبات، بما يحقق مزيداً من الردع القانوني، ويضمن عدم إفلات أي متورط من المساءلة، سواء كان منفذاً مباشراً أو شريكاً في التخطيط أو التمويل أو التجنيد أو التحريض أو تقديم الدعم والوسائل اللازمة لتنفيذ الأعمال الإرهابية، مع وضع معايير واضحة تميز بين درجات المسؤولية الجنائية وحجم المشاركة في الجريمة.
كما تبرز أهمية تشديد العقوبات على الجرائم التي تستهدف أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أثناء قيامهم بواجباتهم الوطنية، وعلى كل اعتداء إرهابي يؤدي إلى إزهاق الأرواح أو إلحاق أضرار بالمرافق العامة أو المنشآت الحيوية أو تهديد سلامة المواطنين. فحياة رجل الأمن والجندي والمواطن الأردني جميعها مصونة، والاعتداء عليها يستوجب محاسبة قانونية تتناسب مع خطورة الجريمة.
ولا تقتصر المراجعة التشريعية على العقوبات المقررة بعد وقوع الجريمة، بل ينبغي أن تشمل تجريم صور الإعداد والمساندة والتمويل والتجنيد والتسهيل، وتعزيز القدرة على مواجهة استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية في نشر الفكر الإرهابي واستقطاب الأفراد أو جمع الأموال لصالح التنظيمات المحظورة، وفق تعريفات قانونية دقيقة تمنع التوسع غير المبرر في التجريم.
وفي هذا السياق، فإن الردع الحقيقي لا يعني مجرد رفع سقف العقوبات، وإنما يتطلب أيضاً سرعة إجراءات التحقيق والمحاكمة، وكفاءة الأدلة الجنائية والرقمية، وتطوير أدوات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي، بما يضمن الوصول إلى العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
ومن المهم التأكيد أن تغليظ العقوبات يجب أن يسير بالتوازي مع ضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، واحترام الدستور وحقوق الإنسان، فالدولة القوية هي التي تحمي أمنها دون أن تتخلى عن سيادة القانون، وتواجه الإرهاب دون أن تسمح له بأن ينتقص من قيم العدالة التي تقوم عليها مؤسساتها.
إن أمن الأردن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال ترسيخ ثقافة الاعتدال والانتماء الوطني، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وتعزيز الوعي بمخاطر الفكر الإرهابي وأساليب استقطاب الشباب.
وفي المحصلة، فإن مراجعة التشريعات الناظمة لمكافحة الإرهاب وتطويرها وتشديد العقوبات على الجرائم الأشد خطورة تمثل قضية تستحق الدراسة الجادة تحت قبة البرلمان، وبمشاركة الجهات القانونية والأمنية المختصة، للوصول إلى منظومة تشريعية متكاملة تحقق الردع وتحمي المجتمع وتصون الحقوق.
إن قوة الأردن ليست في قدرته على مواجهة التهديدات فحسب، بل في قدرته على حماية مواطنيه وترسيخ دولة القانون والمؤسسات. فالوطن الذي نحميه اليوم بالتضحيات واليقظة، يجب أن نحميه أيضاً بتشريعات عادلة وحازمة، تجعل أمن الإنسان وكرامته واستقرار الدولة أولوية لا تقبل التهاون.