أمل محي الدين الكردي : جواد السلايطة ..والتلاحم الأردني
أمل محي الدين الكردي
لا تزال ذاكرة الأردنيين تختزن آلام المواجهات المتعاقبة مع قوى الظلام؛ فجراح الكرك وتضحيات شهدائها الأبرار لم تكن سوى حلقة في مسلسل طويل من جرائم هذا الفكر التكفيري الظلامي الذي استهدف الأردن عبر سنوات مضت، مخلفاً وراءه شواهد على حقد دفين يتربص بأمن الأردن واستقراره. واليوم، تأتي حادثة عمان لتؤكد مجدداً أن هذه الخيوط الخبيثة لم تتوقف، وأن الإرهاب بطبيعته استهدافي شمولي لا يستثني أحداً، وأن المساس بأمن فرد واحد هو اعتداء صارخ على أمن المجتمع بأسره، فالاعتداء على رجال الأمن العام والدوائر الرسمية ليس مجرد حادث فردي، بل هو اعتداء مباشر على السلم المجتمعي ومؤسسات الدولة كافة.
وفي قلب العاصمة عمّان، وتحديداً في شارع المدينة المنورة المكتظ بالحياة والآمنين، تجلّت بكتائب الغدر نكارة الجريمة الإرهابية البشعة، لتلتقي في المقابل مع أعلى درجات الشرف والأمانة الوطنية. ففي الحادية والعشرين… عُمر الزهور، كان العريف البطل جواد علي خلف السلايطة يقف شامخاً يؤدي واجبه الحازم في حراسة بعثة دبلوماسية، ليؤكد للعالم أجمع أن ضيوف الأردن في أمان، وأن رجال الأمن العام هم العين الساهرة التي تحمي حدود الاستقرار.
لقد حملت الجريمة غدراً صريحاً حاول ضرب قلب العاصمة وأمانها، وهنا تجلت البطولة المزدوجة؛ فحين تصادف مرور دورية الشرطة، لم يتخلف الأبطال عن النداء. وفي تفاصيل تروي شجاعة النشامى وسرعة استجابتهم في اللحظات الحاسمة، برزت بطولة الملازم الثاني فراس فايز عبد الله العنانزة (من مرتب الأمن الدبلوماسي والدوائر)، الذي كان في قلب الحدث؛ فما إن أبصر اعتداء الإرهابي الغادر على زميله العريف الشهيد جواد السلايطة ومحاولته الجبانة لانتزاع سلاحه وإتمام مخططه الإجرامي، حتى انطلق الملازم فراس دون تردد ليغيث زميله. وفي ثوانٍ فاصلة اختزلت عقيدة الفداء لدى رجل الأمن الأردني، اشتبك الملازم فراس مع القاتل ببسالة فائقة واستماتة عالية، مضحياً بنفسه ومستعيناً بيقظته الشديدة حتى تمكّن من تحييد الإرهابي وإلقاء القبض عليه، ليتعرض للإصابة الشريفة أثناء أداء هذا الواجب الوطني العظيم، مانعاً ببطولته كوارث محققة كان يمكن أن تزهق أرواح الأبرياء والمارة، ومعه وقف الشهيد جواد جداراً صلباً بين الغدر وبين أرواح الناس.
إن معركة الأردن ضد الإرهاب معركة مستمرة، تنطلق من ثوابت وطنية ورسالة إسلامية سمحة لا تراجع عنها؛ فالحكومة الأردنية وأجهزتها الأمنية لن تتهاون في التصدي لفكر الخوارج المتطرف ودحره في مهده. فمن يستهدف أمن الوطن ويستبيح دماء الآمنين ليسوا سوى خوارج عن الدين وقيم الأمة، وحتى وإن حمل بعضهم الجنسية الأردنية، فإنهم بتجردهم من الإنسانية والانتماء قد لفظتهم العائلة الأردنية الكبيرة ومَرَقوا عن نسيجها المتماسك، فليسوا منا. وقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني هذه الحقيقة بصريح العبارة حين شدد: «لن نتهاون في محاربة الإرهاب والتطرف، ولن نسمح لأي أحد بتهديد أمن المملكة أو إيذاء مواطنيها»؛ وهي رسالة حازمة تعكس إرادة الدولة وحكمتها في صون الأمن وحماية الوطن عصياً على المارقين.
ومع تشييع جثمان الشهيد العريف جواد السلايطة إلى مثواه الأخير في بلدة المشيرفة بقضاء أم الرصاص، تجسد التماسك الأردني الأصيل بأبهى صوره؛ حيث احتشد الأردنيون من مختلف المحافظات والأطياف ليقفوا صفاً واحداً إلى جانب ذوي الشهيد وجهازه الأمني الباسل. وفي هذا المشهد الأردني الجامع، برز التلاحم القيادي والشعبي عبر المتابعة الملكية الحثيثة ومشاركة سمو الأمير فيصل بن الحسين، نائب جلالة الملك، ورئيس الديوان الملكي الهاشمي، إلى جانب عدد من قيادات ومسؤولي الحكومة الأردنية، لتأكيد التعازي والمواساة واهتمام القيادة المباشر.
إن مشاركة الأسرة الهاشمية ووقوفها إلى جانب أبناء الشعب في أدق الظروف تؤكد حقيقة أردنية راسخة: أن هذا الوطن، من رأس الهرم إلى الجندي والمرابط في الميدان، يمثل أسرة اجتماعية واحدة متماسكة، لا تتخلى قيادته يوماً عن أبنائها، وتقف يداً بكتف في مواجهة الخطوب. إن هذا المشهد المهيب ليس مجرد مراسم تشييع، بل هو تجديد لبيعة التلاحم، وإيمان مطلق بأن هذا المجتمع عصي على الانكسار، وقادر على الوقوف بوجه الأزمات بصمود أسطوري يثبت أن كل اعتداء يزداد به الأردنيون صلابة وتماسكاً.
إن ما قدمه الشهيد البطل جواد السلايطة وزميله الملازم البطل فراس العنانزة هو تجسيد حي لروح المؤسسة الأمنية الأردنية التي لا تتوانى عن افتداء الوطن بأغلى ما تملك. لقد تحوّلت تلك الثواني الفاصلة في شارع المدينة المنورة إلى ملحمة بطولة تُضاف إلى سجل الأردن الناصع في مواجهة الفكر التكفيري الظلامي. سيظل جواد حياً في وجدان الأردنيين رمزاً للتضحية، وسيظل فراس وسائر النشامى في ميدان الشرف الجدار الصلب الذي تتكسر عليه كل المؤامرات، رافعين رؤوسهم فخراً بمن أنجب هذه الهامات الوطنية العالية.
وهذا الموقف البطولي يستوجب منا جميعاً غرس مفاهيم التضحية والوفاء في عقول الأجيال الناشئة وإعلاء شأنها، الأمر الذي يفرض على كل عائلة مراقبة أبنائها وتحصين عقولهم ضد أي اختراق فكري حمايةً لصرح الوطن، كما يضع على عاتق المنابر الدينية والمؤسسات التعليمية والأكاديمية مسؤولية مجابهة خطابات الغلو والتطرف بكل شجاعة ووضوح، حمايةً للأردن وتضحيات شهدائه الذين رووا بدمائهم الزكية ثرى هذا الوطن. جاد جواد بنفسه، وواجه رفقاء السلاح الموت بكل بسالة، ليبقى الأردن شامخاً وآمناً.
رحم الله الشهيد البطل جواد السلايطة وأسكنه الفردوس الأعلى، ومَنّ بالشفاء العاجل والخير على الملازم البطل فراس العنانزة، وحفظ الله الأردن وشعبه الأبيّ وأجهزته الأمنية وقواته المسلحة في ظل القيادة الهاشمية المظفرة.