اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

صالح سليم حموري : الأردن بحاجة إلى «ممداني»

صالح سليم حموري : الأردن بحاجة إلى «ممداني»
أخبارنا :  

ليس المقصود أن الأردن بحاجة إلى زهران ممداني بشخصه، ولا إلى استنساخ تجربة سياسية وُلدت في نيويورك ضمن سياق مختلف تمامًا. المقصود أعمق من ذلك: الأردن بحاجة إلى «فكرة ممداني»؛ إلى سياسي يعيد السياسة إلى الناس، ويعيد الناس إلى قلب السياسة.


في السنوات الأخيرة، أصبحت هناك فجوة في كثير من المجتمعات بين اللغة التي يتحدث بها السياسيون واللغة التي يعيش بها الناس. السياسين والوزراء يتحدثون عن الخطط والاستراتيجيات والمؤشرات، بينما المواطن يتحدث عن راتبه، وإيجار بيته، وتعليم أبنائه، وعلاجه، وفرصة العمل، وكلفة النقل، وما تبقى في جيبه في نهاية الشهر.


وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في تجربة ممداني: قدرته على تحويل قضايا تبدو اقتصادية وسياسية معقدة إلى أسئلة تمس الحياة اليومية للإنسان. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع توجهاته السياسية، فإن تجربته تستحق الدراسة من زاوية أخرى: كيف يستطيع السياسي أن يجعل الناس يشعرون بأن السياسة تتحدث عنهم؟


الأردن يمتلك كفاءات سياسية واقتصادية وإدارية كبيرة، ويمتلك دولة ومؤسسات ذات خبرة طويلة. لكن التحدي اليوم لا يتعلق بالكفاءة وحدها؛ بل يتعلق أيضًا بالثقة والقرب والقدرة على الاستماع.


نحن بحاجة إلى سياسي ونائب ينزل إلى الشارع ليس فقط في موسم الانتخابات، ويجلس مع الشباب ليس ليلقي عليهم محاضرة وإنما ليسمع منهم، ويتحدث مع المواطن بلغة يفهمها، ويستطيع أن يحول الأرقام الاقتصادية إلى إجابات عن سؤال بسيط: ماذا يعني كل ذلك بالنسبة لحياة المواطن؟


وهنا تظهر أهمية فكرة طالما آمنت بها في الإدارة والتغيير: الناس تدعم الفكرة عندما تشعر أن الفكرة تدعمها.


لا يكفي أن نقول للناس إن لدينا برنامجًا اقتصاديًا ممتازًا؛ يجب أن يروا موقعهم فيه. ولا يكفي الحديث عن الإصلاح السياسي؛ يجب أن يشعر المواطن أن صوته قادر على إحداث فرق. ولا يكفي أن نطلب من الشباب المشاركة؛ علينا أن نتيح لهم مساحة حقيقية ليشاركوا في صناعة الحلول.


الأردن بحاجة إلى جيل جديد من السياسيين والنواب لا يقيس نجاحه بعدد خطاباته، بل بعدد الناس الذين استطاع أن يستمع إليهم ويكسب ثقتهم. سياسيين يجمعون بين الكفاءة والجرأة والتواضع والقرب من الناس، ويعرفون أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست منصة لنشر الصور فقط، بل مساحة للحوار وبناء الثقة وتفسير القرارات.


لكن علينا أيضًا ألا نختزل تجربة ممداني في صورتها الجذابة. فالقرب من الناس والخطاب المؤثر لا يكفيان للحكم؛ فالاختبار الحقيقي لأي سياسي يبدأ عندما تتحول الوعود إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج قابلة للقياس. ولذلك فالأردن لا يحتاج إلى شعبوية جديدة، بل إلى سياسة قريبة من الناس ومدعومة بالكفاءة والقدرة على الإنجاز.


لهذا، عندما أقول: «الأردن بحاجة إلى ممداني»، فأنا لا أبحث عن شخص يحمل الاسم نفسه أو الفكر نفسه.


أنا أبحث عن نموذج جديد للسياسي الأردني؛ يسمع أكثر مما يتحدث، يعيش قضايا الناس قبل أن يَعِد بحلها، ويحوّل السياسة من حديث عن المواطن إلى عمل مع المواطن.

فربما تكون أزمة السياسة في كثير من الأحيان ليست أن الناس لم تعد مهتمة بها، بل أن الناس لم تعد ترى نفسها فيها.


وعندما يرى الناس أنفسهم في الفكرة... سيدعمونها.


مواضيع قد تهمك