المحامي غسان معمر : ما وراء أرقام الموازنة: حقوق غير محصلة والتزامات غير مدفوعة
تسعى الدولة، من خلال أجهزتها ووزاراتها ودوائرها وهيئاتها، إلى تطبيق القانون وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، مستندةً في ذلك إلى الموارد التي تحصلها والنفقات التي تتحملها. وتُعد الموازنة العامة أهم وثيقة مالية توجه عمل الحكومة خلال السنة؛ إذ تتضمن تقديرات الإيرادات والنفقات، ولا تكتسب قوتها القانونية إلا بعد إقرارها من السلطة التشريعية.
غير أن الموازنة، بصفتها خطة مالية تقديرية، لا تكفي وحدها للكشف عن المركز المالي الحقيقي للحكومة. فهي لا تجيب بالضرورة عن أسئلة جوهرية، مثل: ما قيمة الأموال المستحقة للخزينة ولم تُحصّل بعد؟ وما حجم الالتزامات التي ترتبت على الحكومة ولم تسددها؟ وما قيمة الأصول التي تملكها الدولة، وما مقدار ما استُهلك منها أو انخفضت قيمته؟
لا يكفي تقييم أداء أجهزة التحصيل الضريبي وغير الضريبي بالنظر إلى المبالغ التي دخلت الخزينة فقط؛ بل يجب معرفة إجمالي الحقوق التي نشأت للحكومة، ثم مقارنة ما حُصّل منها بما بقي مستحقاً. فإذا بلغت الضرائب المستحقة مليار دينار، ولم يُحصّل منها إلا 700 مليون، فإن ذكر المقبوضات وحدها لا يكشف كفاءة التحصيل ولا حجم الذمم القائمة لصالح الخزينة.
وينطبق الأمر نفسه على الالتزامات الحكومية. فإذا استلمت الحكومة أعمالاً من مقاول أو أدوية ومستلزمات من مورد، فلا يكفي الإفصاح عن المبالغ المدفوعة نقداً؛ بل ينبغي أيضاً بيان القيمة الكاملة للأعمال والمواد المستلمة، والمبالغ التي أصبحت مستحقة، والرصيد الذي لا يزال غير مدفوع. فقد تكون الحكومة قد استهلكت السلعة أو انتفعت بالخدمة خلال سنة معينة، بينما تؤجل دفع ثمنها إلى سنة لاحقة، فتظهر نفقات السنة وعجزها بأقل من تكلفتهما الاقتصادية الحقيقية.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق. فالأساس النقدي يسجل الإيراد عند قبضه والمصروف عند دفعه، أما أساس الاستحقاق فيثبت الإيرادات عند نشوء الحق فيها، والمصروفات والالتزامات عند تحققها، بصرف النظر عن توقيت التحصيل أو السداد. وهو بذلك يوفر صورة أكثر اكتمالاً عن أداء الحكومة ومركزها المالي.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما أورده صندوق النقد الدولي بشأن متأخرات الحكومة في قطاعي الصحة والطاقة، التي بلغت في نهاية سبتمبر 2022 نحو 187 مليون دينار، كان منها قرابة 183 مليون دينار مرتبطة بالقطاع الصحي. وقد شملت هذه المتأخرات مطالبات مرتبطة بالمستشفيات والأدوية والتأمين الصحي والكهرباء والمحروقات التي استُهلكت أو قُدمت خدماتها من دون دفع قيمتها في موعدها.
لا تكمن المشكلة في انعدام الإفصاح عن هذه المتأخرات بصورة مطلقة؛ فقد تظهر في تقارير خاصة أو في بيانات مقدمة إلى صندوق النقد، وإنما في عدم إدراج جميع هذه الالتزامات بصورة منتظمة ضمن قوائم مالية حكومية موحدة تكشف المركز المالي الكامل للدولة. ونتيجة لذلك قد تتمكن الجهات الرقابية من معرفة بعض المتأخرات المتفرقة، من دون أن تتوافر لديها ميزانية عمومية شاملة تجمع أصول الحكومة وحقوقها والتزاماتها في تاريخ محدد.
كما أظهرت تقارير برنامج الإصلاح مع صندوق النقد أن متأخرات شركة الكهرباء الوطنية «نيبكو» بلغت نحو 94 مليون دينار في إحدى نقاط القياس، مع وضع مسار لتخفيضها تدريجياً. وقد تشمل هذه المتأخرات مبالغ مستحقة لموردي الكهرباء والوقود والبنوك والشركات الخاصة تأخر سدادها لأكثر من ستين يوماً.
ومع أن شركة الكهرباء الوطنية كيان مملوك للدولة وليست جزءاً مطابقاً للخزينة المركزية، فإن التزاماتها وخسائرها وضماناتها قد تمثل مخاطر مالية تتحملها الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولذلك فإن إعداد قوائمها على أساس الاستحقاق، إلى جانب الإفصاح عن أثرها في المالية العامة، أمر ضروري لتمكين البرلمان والأجهزة الرقابية والتخطيطية من تقييم حقيقة أوضاعها المالية.
وفي قطاع المياه، تكشف تقارير صندوق النقد عن متأخرات موزعة بين سلطة المياه وشركات التوزيع الحكومية، ومنها شركات مياهنا واليرموك ومياه العقبة. وقد بلغت متأخرات شركات التوزيع في بعض فترات القياس نحو 22 مليون دينار، فضلاً عن متأخرات أخرى على سلطة المياه وصلت إلى عشرات الملايين قبل تخفيضها أو تسويتها.
وتمثل هذه المبالغ التزامات نشأت عن استهلاك الكهرباء وتنفيذ أعمال الصيانة والتوريد والمقاولات من دون تسديد قيمتها في مواعيدها. وهي توضح أحد أوجه القصور في الاعتماد على التدفقات النقدية وحدها؛ إذ لا تنعكس تكلفة الخدمات والالتزامات عند نشوئها بصورة كاملة، بل تظهر عند السداد، بما قد يؤدي إلى إظهار النفقات والعجز النقدي بأقل من التكلفة الاقتصادية المتحققة خلال السنة.
ولا يعني الانتقال إلى الاستحقاق الاستغناء عن الموازنة النقدية أو عن إدارة السيولة. فالحقوق المستحقة للحكومة لا تصبح أموالاً متاحة للإنفاق قبل تحصيلها، كما أن إثبات الالتزام لا يعني أن الخزينة دفعته فعلاً. المطلوب هو الجمع بين النظامين: موازنة وتدفقات نقدية لإدارة السيولة والاعتمادات، وقوائم مالية على أساس الاستحقاق لقياس الأصول والحقوق والالتزامات والتكلفة الحقيقية للخدمات العامة.
والأكثر مفارقة أن المشرّع الأردني جعل أساس الاستحقاق المحاسبي القاعدة العامة لاحتساب دخل المكلفين في القطاع الخاص لغايات ضريبة الدخل. وبموجب هذا الأساس، قد تُطالب المنشأة بإثبات الإيراد والخضوع للضريبة عنه عند تحقق الحق فيه، ولو لم تكن قد قبضته نقداً بعد، مع مراعاة الاستثناءات التي أجازها القانون لبعض الأشخاص والأنشطة. وإذا كانت الحكومة تلزم المكلفين بقياس نتائج أعمالهم على هذا النحو حتى تتمكن من تحديد حقوق الخزينة الضريبية بدقة، فمن باب أولى أن تطبق على حساباتها المستوى نفسه من الوضوح؛ فتثبت ما نشأ لها من حقوق وما ترتب عليها من التزامات، بصرف النظر عن توقيت القبض أو الدفع. فالمطلوب ليس إنفاق الإيرادات غير المحصلة، وإنما الإفصاح عنها وقياس كفاءة تحصيلها، وفي المقابل عدم إخفاء الالتزامات الحكومية لمجرد تأجيل سدادها.
إن محاسبة الاستحقاق لا تخلق أموالاً جديدة ولا تخفض الدين بذاتها، لكنها تمنع تأجيل الالتزامات من أن يتحول إلى وسيلة لتحسين الأرقام ظاهرياً. وهي تمكّن البرلمان وديوان المحاسبة وصانع القرار والمواطن من معرفة ما تملكه الدولة، وما لها، وما عليها، وما إذا كانت خدماتها تُقدَّم بتكلفة يمكن تحملها في المستقبل. ومن دون هذه الصورة، قد تبدو المالية العامة منضبطة نقدياً في سنة معينة، بينما تتراكم خلفها التزامات ستظهر تكلفتها في السنوات اللاحقة.
فليس من الاتساق أن تحاسب الدولة المكلف على إيراد استحق له ولم يقبضه، بينما لا تُظهر في مركزها المالي الكامل قيمة سلعة أو خدمة استلمتها ولم تدفع ثمنها بعد.