المحامي معن عبد اللطيف العواملة : أفق الصراع: مآلات الحرب الحالية وتحديات الحلول المتعثرة
بينما تدخل الحرب الحالية مرحلة حرجة من التصعيد، يزداد تعقد المشهد الميداني والسياسي. لا تقتصر الأزمة على العنف المتبادل وحجم الدمار فحسب، بل تمتد لتكشف عن تصدعات عميقة في بنية النظام الدولي، وتحديداً في قدرة القوى التقليدية على ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو الهاوية الشاملة.
العنوان الرئيسي لغاية الآن هو استنزاف بلا حسم. على الأرض، تحول الصراع من عمليات خاطفة إلى حرب طويلة نسبيا، بينما الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد في مهب الريح، مما ينذر باستمرار الأزمات المعقدة والمركبة. الأوراق على الأرض وفي مطابخ السياسة تستهلك من غير نتائج مرضية. تعيش المنطقة، ومعها العالم، في مساحة رمادية يختلط فيها الحليف مع العدو، في ظل مأسٍ إنسانية حقيقية. المسار الحالي يشير إلى أن الحسم العسكري المطلق صعب المنال، مما يجعل الجبهات ساحة لتسجيل النقاط بالدماء، وسط غياب رؤية استراتيجية واضحة للمرحلة المقبلة.
تأتي الحرب الحالية لتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار هو الأصعب في تاريخها الحديث. المتابع لدوائر صنع القرار في واشنطن يلحظ حالة من المراوحة في إدارة خيوط الأزمة، وسط تحول شبه يومي في الأهداف المعلنة للحرب. أولا، هناك غياب للحزم الدبلوماسي اذ تظهر الإدارة الأميريكية تخبطا في فرض شروطها أو حتى حماية مصالحها الحيوية، مما شجع أطراف الصراع على تجاوز الخطوط الحمراء مراراً. ثانيا، هناك تناقض في الخطاب السياسي وما بين التصريحات المعلنة والأفعال على الأرض، مما يفقد الشركاء و الحلفاء دورهم في التخطيط لما بعد اليوم الأخير من الحرب. ثالثا، الأزمات الداخلية الأميريكة تشتت انتباه الإدارة بين الضغوط الانتخابية والملفات الاقتصادية وما بين التحشيد للحرب. هذه العوامل مجتمعة لن تؤدي الى إطالة أمد الصراع وتأخر الحسم فحسب، بل ستخلق فراغاً سياسياً بدأت قوى إقليمية ودولية أخرى في محاولة سده، مما يزيد في تعقيد المشهد.
والسؤال المتداول دوليا هو ما هي مآلات هذه الحرب؟ التحدي الأكبر اليوم يكمن في أن الحرب لم تعد محصورة في أهدافها الأصلية، بل تحولت إلى صراع هويات ونفوذ يتجاوز الجغرافيا. يتم الحديث إعلاميا على الأقل عن ثلاثة سيناريوهات محتملة. أولها، سيناريو التسوية القسرية، وهو المرجح، حيث يفرض الإرهاق العسكري والاقتصادي على ايران وحلفائها القبول بالخسارة كامر واقع، من غير تفاوض أو اتفاق. انهيار عسكري وفوضى داخلية إلى أجل غير مسمى. السيناريو الثاني، توسع الحرب ودخول أطراف إقليمية ودولية فيها مما قد يؤدي إلى وقائع جديدة على الأرض وصراع مفتوح على احتمالات غير مرئية. أما السيناريو الثالث، فهو انتقال الحرب الساخنة إلى نزاع مجمد من غير رابح أو خاسر واضح؛ إذ تتوقف العمليات العسكرية الأساسية دون اتفاق، ليبقى الجمر تحت الرماد، استعدادا لجولات مقبلة.
إن القراءة المتأنية للمعطيات تنذر بصعوبة انتهاء هذه الحرب بانتصار عسكري ساحق. النهاية يمكن أن تصاغ في غرف مغلقة عبر تفاهمات يحيكها عدد محدود من الأطراف. ويبقى السؤال، ما شكل المنطقة بعد هذه الحرب؟ ومن سيمسك بخيوط السياسية والاقتصاد فيها؟ التفاؤل مطلوب ولكنه صعب. قريبا جدا ستتجاوز تكلفة الحرب قدرة الأنظمة على التحمل، وسيحاول العقلاء إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الجميع الى حد ما، لكنه سيترك ندوباً لن تلتئم لسنوات طويلة.