الأخبار

د. رعد محمود التل : كلفة الحرب: صدمة تعيد رسم اقتصاد المنطقة

د. رعد محمود التل : كلفة الحرب: صدمة تعيد رسم اقتصاد المنطقة
أخبارنا :  

لا تقاس الحروب بمدتها الزمنية فقط بل بقدرتها على إحداث صدمات في الاقتصاد الحقيقي وأسواق الطاقة والمالية وسلاسل الإمداد. التصعيد العسكري الحالي في الشرق الأوسط، وبحسب التقدير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يكشف أن حرباً قصيرة مدتها أربع أسابيع (28 يوماً) فقط قادرة على إحداث انكماش اقتصادي إقليمي يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل خسائر مالية تقارب 150 مليار دولار. التراجع الحاصل في الإنتاج هو بالأساس نتيجة مباشرة لثلاث قنوات صدمة رئيسية: ارتفاع تكاليف الطاقة والتجارة، تراجع الإنتاجية الكلية، وانكماش جزئي لرأس المال، كما في حالة انخفاض رأس المال في لبنان بنسبة 5% حسب التقرير، بمعنى آخر، الاقتصاد لا يتباطأ فقط، بل يتعرض لتعطل هيكلي في آلية عمله.

التوزيع الجغرافي للخسائر يكشف عن تفاوت حاد، فدول الخليج تتحمل العبء الأكبر بخسائر تقارب 150 مليار دولار، نتيجة اعتمادها الكبير على الطاقة والتجارة الدولية. في المقابل، يخسر المشرق العربي ما يقارب 23 مليار دولار، بينما تتراوح خسائر شمال أفريقيا حول 2 مليار دولار، والدول الأقل نمواً عند حدود 0.2 مليار دولار. لكن هذا التفاوت لا يعني أن التأثير أقل في الدول الفقيرة، بل على العكس، فكل دولار خسارة هناك، وبالمعنى الاقتصادي، يحمل أثراً مضاعفاً بسبب ضعف القاعدة الاقتصادية، بحسب أرقام التقرير.

على مستوى النسب، تسجل دول الخليج انكماشاً يقارب 7% في الناتج، مع تراجع الاستثمار بنسبة أكبر تصل إلى نحو 12%، ما يعكس وبصورة مباشرة حساسية رأس المال تجاه المخاطر الجيوسياسية. في المشرق، يقترب التراجع من 7%، بينما يبقى محدوداً نسبياً في شمال أفريقيا عند حدود 0.4%، وقد يسجل تحسناً طفيفاً في بعض السيناريوهات بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

صدمة العرض هذه ترتبط مباشرة بانهيار في منظومة التجارة والطاقة. فقد انخفضت حركة الشحن عبر مضيق هرمز بأكثر من 70%، وهو ممر ينقل نحو 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. كما تراجعت حركة قناة السويس بنحو 50%، في حين انخفضت قدرة الشحن الجوي بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط بنسبة 40% خلال أيام قليلة. هذا الانكماش في الحركة التجارية يعني فعلياً اختناقاً في سلاسل التوريد العالمية، بحسب أرقام التقرير.

انعكاس ذلك على الأسعار كان فورياً، فقد ارتفع سعر النفط من نحو 72 دولاراً للبرميل إلى 120 دولاراً تقريباً قبل أن يستقر عند حدود 110 دولارات، في حين قفزت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 50%، هذه الزيادات، وبكل تأكيد، لا تبقى في أسواق الطاقة فقط، بل تنتقل إلى جميع القطاعات عبر تكاليف النقل والإنتاج.

تكاليف التجارة أيضاً نفسها شهدت قفزة غير مسبوقة، فتأمين السفن في مناطق النزاع، وحسب التقرير، ارتفع من نحو 0.02% إلى ما يقارب 1% من قيمة السفينة، بينما انخفضت حركة الشحن الجاف بأكثر من 90% في بعض الفترات. هذه الأرقام تعني أن تكلفة نقل السلع تضاعفت عدة مرات، ما يترجم مباشرة إلى تضخم مستورد في الدول العربية.

ولا تتوقف الصدمة عند التجارة والطاقة فقط. في القطاع المالي، شهدت مصر خروج استثمارات أجنبية تقارب 6 مليارات دولار، مع تراجع سعر الصرف من 47 إلى أكثر من 52 جنيهاً للدولار. كما أن التحويلات المالية، التي تمثل شرياناً اقتصادياً أساسياً، تواجه تهديداً مباشراً. فهي تشكل نحو 33% من الناتج في لبنان، وقرابة 9% في الأردن، ونحو 7% في مصر. أي تراجع فيها سيؤدي إلى انخفاض الاستهلاك وارتفاع الفقر.

هذه الأرقام تكشف أن كلفة الحرب الإيرانية ليست مجرد خسارة مالية مباشرة، بل هي صدمة عرض متعددة الأبعاد تضرب الإنتاج والتجارة والطاقة والمال في وقت واحد. الأخطر أن كل هذه التأثيرات تحدث خلال فترة زمنية قصيرة جداً، وما نخشاه أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى تحولات هيكلية طويلة الأمد في الاقتصاد العربي.

نذكر، أن التاريخ الاقتصادي يُظهر أن مثل هذه الصدمات لا تمر مروراً عابراً، بل تترك ندوباً عميقة قد تستمر لسنوات، خاصة في الاقتصادات التي تعاني أصلاً من هشاشة هيكلية. والتحدي الحقيقي لا يكمن في احتواء الصدمة الحالية فقط، بل في القدرة على التكيف معها وبناء قدر أكبر من المرونة الاقتصادية في مواجهة عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين. صحيح قد تنتهي الحرب في لحظة سياسية، فإن آثارها الاقتصادية تبقى لفترة أطول بكثير، وهو ما يجعل كلفتها الحقيقية تتجاوز بكثير ما تعكسه الأرقام اليوم.

مواضيع قد تهمك