برفسور حسين علي غالب : بين حلم الوظيفة وصناعة المستقبل
يذكر الراحل ستيف جوبز أن بداياته كانت مع مجموعة من أصدقائه الشباب داخل كراج منزله الصغير والمتواضع، وكان يحصل على المال إما من والديه بالتبني، أو من خلال القيام بأعمال بسيطة تؤمن له متطلبات الحياة الأساسية، لكنه كان عاشقًا لعلوم الحاسوب والبرمجة وفي ذلك الوقت كانت أجهزة الحاسوب بطيئة وباهظة الثمن، وكانت ما تزال في بداياتها، استمر في المحاولة والتجربة رغم الصعوبات حتى نجح في تطوير شريحة إلكترونية متقدمة، لينطلق بعدها بإنتاج جهاز حاسوب يمكن وصله بجهاز التلفاز.
والأمر نفسه نجده عند روبرت مردوخ صاحب الإمبراطورية الإعلامية الضخمة، الذي يمتلك عددًا هائلًا من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية في الولايات المتحدة وخارجها، ويذكر في سيرته الذاتية أنه كان يرغب في العمل عاملَ بناء وأنه تعرض لصدمات وإخفاقات عديدة في حياته، لكنه استثمر لاحقًا مبلغًا متواضعًا في مشروع إعلامي صغير أُطلق من منزل أحد أصدقائه، فحقق نجاحًا شجعه على التوسع والسيطرة تدريجيًا على مختلف وسائل الإعلام لتحقيق المزيد من الأرباح.
هناك أسماء كثيرة لامعة وناجحة بدأت من الصفر ومن داخل منازلها، والمثير للدهشة أن رؤوس الأموال التي انطلقت بها بعض تلك المشاريع كانت أقل من ثمن سيارة مستعملة، وما يحزنني وأنا أتابع واقع شبابنا، أن طموحات الكثير منهم أصبحت متشابهة وتفتقر إلى روح المغامرة والإبداع والتحدي.
فإذا سألت الغالبية العظمى من الشباب عن أحلامهم، فسيقولون إنهم يريدون الوظيفة الحكومية أولًا وأخيرًا، وحتى من يخرج عن هذا الإطار وهم نسبة قليلة جدًا، غالبًا ما يفكر بالحصول على قرض مصرفي لبدء مشروع تقليدي سبق أن نُفذ عشرات المرات وتكون احتمالات خسارته أكبر من فرص نجاحه.
ما أبحث عنه هو شباب يمتلكون أفكارًا جديدة، ينطلقون من الصفر ومن داخل بيوتهم ثم يحولونها خطوةً بعد أخرى إلى مشاريع حقيقية تخدم البشرية لا شريحة محدودة من الناس.
إن المشكلة فينا نحن، و ليست في شبابنا الطيب، فأنظمتنا التعليمية ما تزال تقليدية تعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من اعتمادها على البحث والاستكشاف، ومنذ دخول الطفل إلى المدرسة تبدأ محاولات تقييد شخصيته وإخماد روح المبادرة لديه، حتى يصبح مجرد متلقٍ للمعلومات وعند الامتحان يُطلب منه حفظ ما في الكتاب خلال فترة قصيرة ثم ينسى معظم ما تعلمه بعد أيام قليلة.
وعندما يكبر يجد أن أغلب من حوله موظفون يذهبون إلى أعمالهم صباحًا ويعودون في أوقات محددة، فيتولد لديه الاعتقاد بأن هذا هو الطريق الوحيد للنجاح، وهكذا نزرع في داخله الفكر التقليدي الذي يحد من طموحه وقدرته على الابتكار.
لهذا نجد كثيرًا من شبابنا يشعرون بالغضب والإحباط بعد التخرج من الجامعة إذا لم يحصلوا على وظيفة حكومية، فيستسلم بعضهم للبطالة ويرفضون أعمالًا أخرى قد تكون بداية نجاح حقيقي لهم، وهكذا تضيع سنوات جميلة من أعمارهم في الانتظار وتتأخر مشاريعهم وأحلامهم، ويظنون أن كرامتهم وانسانيتهم لن تكتمل إلا بالحصول على وظيفة حكومية.