د. خالد الحريرات البطوش : تزامن صيام المسلمين والمسيحيين وصورة مشرقة من التنوع
بالرغم
من وجود الحرب هناك ما يدعو للسرور، فتقاطع التقويم الميلادي مع الهجري
هذا العام يُهدينا تزامنا لصيام المسلمين وصيام المسيحيين في موسم واحد،
فالإزاحة الزمنية المتغيرة بين التقويمين تتيح هذه المصادفة عندما يحل شهر
رمضان في موعد الصيام المسيحي الذي يأتي في أواخر الشتاء ويستمر الى أوائل
الربيع لمدة أربعين يوما، وحيث ان هذا التزامن نزر الحدوث ولا يتكرر
بانتظام فانه لا يمكن تركه دون تدبّر معانيه، فعندما تجمع التقويمات
المتباينة المؤمنين مهما اختلفت اديانهم في مواسم صيام متزامنة، فإن مفهوم
حرمان النفس من الشهوات الذي يشكل جوهر الصيام يتجلى في وحدة ايمانية تندمج
فيها مشاعر من تركوا الطعام والشراب من اجل العبادة والشعور مع الاخرين،
وهنا تتوحد الروح التي يخلقها الصيام اكثر مما تفترق الاشكال التي يظهر
فيها، وما الاختلاف النوعي والزمني بين الصيامين الإسلامي والمسيحي الا
تنوع في تجسيد النزعة الإنسانية المستمرة منذ الازل التي يتمرد فيها
الانسان على ضعفه وحاجته، ويتحدى فيها غريزته، ويتسامى بذلك على باقي
المخلوقات.
كما عند المسلمين
ينشد المسيحيون بصيامهم توليد طاقة روحانية يتقربون بها الى الله، ويبتعدون
فيها عن المعاصي والذنوب، وفي ذات الوقت يقتربون من الفقراء والمحرومين،
ويشعرون بمعاناتهم، وعند هذا الاختبار الشخصي للجوع والحرمان من الملذات
يتهذب سلوك المؤمن ويرهف احساسه، ويسارع الى التسامح والايثار وعون
الاخرين، وبذلك يتموضع الايمان في حيّزه الصحيح كجزء من معيشة الناس ليغدو
دافعا للتكافل الاجتماعي وليس ذريعة للعزلة والانطواء .
موعد
الصيام المسيحي ونوعية الطعام المهجور ترتبط بأبعاد بيئية ترسم حدود
منضبطة لعلاقة الانسان بالأرض والبيئة المحيطة، وليس من المصادفة بدء
الصيام في موسم تكاثر الماشية في بلاد الشام، وما استمراره لأربعين يوما
بلياليها الا ليمهل صغارها الوليدة فترة كافية للتغذية والنمو قبل الفطام،
وقد كان امتناع الصائمين عن تناول اللحوم ومنتجات الحليب في هذه الفترة
التزاما بيئيا صارما الى حدّ القداسة باعتباره ممارسة ايمانية ومسؤولية
بيئية في ذات الوقت لاستدامة الثروة الحيوانية كمورد غذاء للسكان في مهد
السيد المسيح عليه السلام.
الأردن
موطن المسيحيين الأوائل يحتضن كل هذا التنوع الديني إنسانيا واجتماعيا قبل
ان يكون سياسيا، فالأردنيون مسلمون ومسيحيون يعيشون في هذه البلاد أخوة
متحابين ومرتبطين بارضها، وينسجون بتبادل مشاركة مناسباتهم وتفهم عباداتهم
عرى جدلة وطنية وثيقة، و بعد ذلك لا خوف على وطن يزاحم فيه المسيحيون
المسلمين على ( قطايف ) رمضان ويلتزمون فيه بحرمة الشهر الفضيل، ويسابق فيه
المسلمون المسيحيين على الاحتفال برأس السنة الميلادية، فعند هذه الدرجة
من التوافق والانسجام تتجاوز العلاقة العيش المشترك بين أبناء الديانات
المختلفة الى المحبة المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد.
الهم
المشترك والمصير الواحد ليس فقط ما يجمع المسلمين والمسيحين في الاردن،
وانما تمتد تلك الوحدة الى تفاصيل أكثر عمقا في الحياة الاجتماعية، في
الأسبوع الماضي وخلال مساء رمضاني لم يتردد الدكتور نجم الربضي سليل العترة
المسيحية العتيقة في جبال عجلون بتلبية دعوة حضور لمشاركة أصدقاء وزملاء
مسلمين احتفالهم بتناول وجبة الإفطار، وبالرغم من التزامه بالصيام المسيحي
الا انه تجشم عناء مقاومة اغراء اطباق اللحوم والالبان التي كان (البوفيه)
الرمضاني يكتنز بها، واكتفى بطبق لا يكسر صيامه، ذلك انه وبكل وعي لم يرغب
في تفويت لقاء يختزل العناق بين الصيامين الإسلامي والمسيحي، وفي تلك
المناسبة لم تكن الحالة عرضية او القصة فردية وانما كانت عيّنة صادقة لحالة
متكررة في المجتمع الأردني.