الأخبار

أ. د. هاني الضمور : قوة الإنسان الخفية: من الشهوة إلى التنافس وعمارة الأرض

أ. د. هاني الضمور : قوة الإنسان الخفية: من الشهوة إلى التنافس وعمارة الأرض
أخبارنا :  

في كثير من النقاشات المعاصرة تُطرح الشهوة باعتبارها مشكلة أخلاقية أو ضعفًا ينبغي التخلص منه. غير أن التأمل في طبيعة الإنسان وتاريخ الحضارة يكشف صورة مختلفة وأكثر عمقًا؛ فالشهوة ليست مجرد نزعة فردية عابرة، بل قوة كامنة في الإنسان تدفعه إلى الحركة والسعي والعمل. هذه القوة، إذا وُجّهت التوجيه الصحيح، تتحول من مجرد غريزة إلى طاقة تسهم في بناء المجتمعات وعمارة الأرض.

يبيّن القرآن الكريم أن الميل إلى الشهوات جزء من طبيعة الإنسان، وليس خللًا في تكوينه. يقول الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . فالإنسان يميل بطبيعته إلى المال والنجاح والعلاقات الإنسانية ومظاهر القوة. لكن هذه الميول لم تُخلق لتكون غاية في ذاتها، بل لتكون جزءًا من منظومة أوسع يعيش الإنسان من خلالها تجربة الاختبار والمسؤولية في الحياة.

وعندما نتأمل دور الإنسان في الأرض تتضح الصورة بصورة أعمق. فالإنسان خُلق ليكون خليفة في الأرض، كما قال الله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. ومن هنا يمكن فهم الشهوة بوصفها قوة دافعة للحياة الإنسانية. فالميل إلى تكوين الأسرة يؤدي إلى استمرار النسل، وحب المال يدفع الناس إلى العمل والإنتاج وبناء الاقتصاد، والطموح إلى المكانة يوقظ روح المبادرة والإنجاز. وبهذه الصورة تتحول الغريزة إلى طاقة تدفع الإنسان إلى البناء والسعي وعمارة الأرض.

وإذا نظرنا إلى واقع العالم اليوم نجد أن معظم مظاهر التقدم الإنساني قامت على هذه الطاقة نفسها. فالرغبة في النجاح تدفع الإنسان إلى التعلم والاكتشاف، والطموح إلى التفوق يخلق منافسة بين الأفراد والمؤسسات والدول، وهذه المنافسة بدورها تقود إلى تطور العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد. فالمدن الحديثة التي نعيش فيها، والاختراعات التي غيرت حياة البشر، والأنظمة الاقتصادية التي تدير المجتمعات كلها نتاج سعي إنساني تحركه الرغبة في الإنجاز والتفوق.

وينعكس هذا المعنى بوضوح في ميدان التعليم. فالطالب بطبيعته يحمل رغبة في النجاح والتفوق وإثبات الذات، وهذه الرغبة ليست مشكلة ينبغي إخمادها، بل طاقة ينبغي توجيهها. فعندما يُدار التعليم بطريقة صحيحة تتحول هذه الرغبة إلى دافع للتعلم والبحث والاكتشاف، ويصبح التنافس بين الطلاب وسيلة لتحفيز الاجتهاد وتطوير القدرات. أما حين يُفهم التعليم بوصفه مجرد حفظ للمعلومات أو سباقًا شكليًا للدرجات، فإن هذه الطاقة قد تضيع أو تتحول إلى ضغط نفسي أو منافسة غير صحية.

ولهذا يحتاج التعليم إلى توازن بين تحفيز الطموح وبين ترسيخ القيم. فالمعلم لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه طاقات الطلاب نحو أهداف نافعة للمجتمع. وعندما يتعلم الطالب أن التفوق الحقيقي لا يكون على حساب الآخرين، بل من خلال العمل والإبداع وخدمة المجتمع، يتحول التنافس إلى قوة إيجابية تدفع الجميع إلى التقدم.

ومن هنا تظهر أهمية الضوابط الأخلاقية التي وضعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم حياة الإنسان. فقد أمر الله بالعدل والإحسان، وحذر من الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، ودعا الإنسان إلى ضبط أهوائه حتى لا تتحول طاقاته إلى وسيلة للظلم أو الاستغلال. وفي ظل هذه القيم يصبح التنافس وسيلة للبناء لا للهدم، وتتحول الطموحات الفردية إلى قوة تخدم المجتمع كله.

إن التأمل في واقع التعليم اليوم يكشف أن المشكلة ليست في وجود الطموح أو الرغبة في التفوق، بل في كيفية توجيهها. فعندما يُبنى التعليم على تشجيع الفضول المعرفي، وتحفيز الإبداع، وربط المعرفة بخدمة الإنسان، تصبح طاقات الطلاب مصدرًا للتقدم الحضاري. أما حين يغيب هذا التوجيه، فإن التعليم يفقد قدرته على تحويل طاقات الشباب إلى قوة لبناء المستقبل.

وبهذا المعنى يمكن القول إن الشهوة أو الرغبة في النجاح ليست عيبًا في الإنسان، بل جزء من الحكمة في خلقه. فهي القوة الخفية التي تدفعه إلى التعلم والسعي والإنجاز. غير أن هذه القوة تحتاج دائمًا إلى هداية الله وحدوده حتى تبقى طاقة لعمارة الأرض لا سببًا في إفسادها. وفي هذا التوازن بين الغريزة والقيم يتجلى أحد أهم أسرار بناء الإنسان والحضارة.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك