الأخبار

رومان حداد : هل تتحول إيران إلى فيتنام جديدة؟

رومان حداد : هل تتحول إيران إلى فيتنام جديدة؟
أخبارنا :  

يعود سؤال الحرب الطويلة ليطرح نفسه بقوة مع اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فهل تتحول هذه الحرب إلى نموذج شبيه بحروب الاستنزاف التي واجهتها القوى الكبرى في التاريخ الحديث، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في حرب طويلة ومكلفة في فيتنام خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بينما واجه الاتحاد السوفييتي تجربة مشابهة في أفغانستان في الثمانينيات، كما تخوض روسيا منذ سنوات حرباً معقدة في أوكرانيا، هذه النماذج التاريخية تجعل السؤال مشروعاً، هل يمكن أن تتحول إيران إلى (فيتنام جديدة) بالنسبة للولايات المتحدة؟.

 

وحتى لا يبدو السؤال مستغرباً، علينا إدراك أن إيران ليست دولة صغيرة أو معزولة، بل تمتلك مساحة جغرافية واسعة وسكاناً يتجاوز عددهم ثمانين مليون نسمة، إضافة إلى بنية عسكرية معقدة تجمع بين الجيش النظامي والحرس الثوري، كما تمتلك طهران ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فضلاً عن شبكة من الحلفاء الإقليميين في عدة دول في الشرق الأوسط، هذه العوامل مجتمعة تمنح إيران القدرة على خوض حرب غير متكافئة طويلة إذا اختارت ذلك، وهو ما قد يحول الصراع إلى حرب استنزاف بدلاً من مواجهة تقليدية قصيرة.

ومع ذلك، فإن هناك عوامل أخرى قد تمنع تحول الحرب إلى مستنقع استراتيجي للولايات المتحدة، فالاستراتيجية العسكرية الأميركية في العقود الأخيرة تعتمد بدرجة كبيرة على التفوق التكنولوجي والضربات الجوية الدقيقة، وليس على الاحتلال البري الواسع كما حدث في فيتنام أو العراق، وهذا النمط من العمليات يهدف إلى تحقيق أهداف عسكرية محددة خلال فترة قصيرة، مثل تدمير البنية التحتية العسكرية أو إضعاف القدرات الصاروخية، دون الانخراط في حرب طويلة على الأرض.

لكن الصورة قد تتغير إذا قررت الولايات المتحدة إدخال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية، خصوصاً في ظل تسريبات عن دراسة هذا الخيار أميركياً، فمثل هذه الخطوة قد تكون مصممة لتحقيق حسم سريع، لكنها قد تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، فالحروب البرية في دول كبيرة ومعقدة مثل إيران قد تتحول بسهولة إلى حروب مقاومة طويلة، خصوصاً إذا استطاعت القيادة الإيرانية تعبئة المجتمع حول خطاب الدفاع الوطني، حيث سيتحول الصراع في هذه الحالة من حرب تقليدية إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة.

كما قد يؤثر موقف القوى الدولية الكبرى في مدة الحرب، فإذا قررت الصين أو روسيا، أو كلتاهما، تقديم دعم عسكري أو تقني لإيران، حتى ولو بصورة غير مباشرة، فقد يطيل ذلك أمد الصراع ويزيد كلفته على الولايات المتحدة، ومثل هذا السيناريو ليس مستبعداً في سياق التنافس الدولي المتصاعد، إذ قد ترى الصين وروسيا في إطالة أمد الحرب فرصة لاستنزاف القوة الأميركية وإضعاف نفوذها العالمي.

في المقابل، تلعب شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب دوراً مهماً في حسابات الحرب، فترامب معروف بتفضيله للنتائج السريعة والضغط المكثف، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية المحدودة، لذلك من غير المرجح أن يقبل بسهولة الدخول في حرب طويلة ومكلفة قد تتحول إلى عبء سياسي داخلي، وإذا شعر بأن الصراع يتجه نحو الاستنزاف، فقد يلجأ إلى توسيع التحالف العسكري الغربي أو ربما اتخاذ قرار مجنون باستخدام السلاح النووي الموضعي، قبل التفكير بالدفع نحو تسوية سياسية مع إيران تضمن تحقيق بعض الأهداف الأميركية دون استمرار الحرب.

ولا يمكن تجاهل الدور الإسرائيلي في هذه المعادلة، فإسرائيل ترى في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والقضاء على المشروع النووي الإيراني هدفاً استراتيجياً، وقد تدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية إلى أن يتم تحقيق هذا الهدف، لكن في الوقت نفسه، فإن تل أبيب قد تدعم إنهاء الحرب إذا رأت أن القدرات الإيرانية قد تعرضت لضربة كبيرة تجعل التهديد أقل خطورة، دون أن يمنع ذلك عودتها للحرب مرة أخرى في وقت آخر.

إذن إيران والصين وروسيا هي الأطراف القادرة على إطالة أمد الحرب، وترامب بقراراته غير المتوقعة هو القادر على وضع حد سريع للحرب، ما لم يخطئ بحساباته فيما يتعلق باستخدام القوة البرية، وبين أيديولوجية المحور الأول وحالة القرارات الترامبية التي لا يمكن التنبؤ بها سيتحدد مصير الحرب ومداها الزمني.

مواضيع قد تهمك