د. محمد الحدب : الأردن وإندونيسيا… حين تتحوّل الدبلوماسية إلى شراكة اقتصادية آسيوية
تكتسب زيارة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى عمّان دلالة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، ليس فقط بحكم العلاقة التاريخية التي تربطه بجلالة الملك عبدالله الثاني، بل لأن توقيتها يأتي في لحظة يُعاد فيها تشكيل اتجاهات الشراكات الاقتصادية الأردنية نحو أسواق آسيوية غير تقليدية. هنا، لا يُقرأ اللقاء بوصفه تثبيتًا لعلاقات سياسية متينة فحسب، بل كنافذة لإعادة تموضع اقتصادي ذكي باتجاه واحدة من أكبر اقتصادات العالم الإسلامي وأسرعها نموًا.
اقتصاديًا، تُظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن الصادرات الوطنية الأردنية نمت بنحو 9.1%خلال عام 2025، فيما ارتفعت الصادرات إلى الدول الآسيوية غير العربية بنحو 13.6% خلال الفترة ذاتها، ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في الوجهة الجغرافية للصادرات الأردنية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الشركاء التقليديين. هذا الاتجاه يمنح أي انفتاح منظّم على أسواق آسيوية كبيرة بُعدًا عمليًا يتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارات الرسمية.
لكن القيمة الحقيقية للانفتاح على إندونيسيا لا تكمن في الاتجاهات العامة وحدها، بل في وزن العلاقة الثنائية داخل محفظة الأردن التجارية مع آسيا. وإذا ما قيس الوزن النسبي للعلاقة التجارية الأردنية–الإندونيسية ضمن محفظة الأردن مع الدول الآسيوية غير العربية في عام 2024، فإن حجم التبادل التجاري الثنائي الذي بلغ نحو 921.7 مليون دولار(ما يعادل قرابة 0.65 مليار دينار) يمثّل حوالي 9%من إجمالي التبادل التجاري للأردن مع هذه الكتلة الاقتصادية، والذي قارب 8.2 مليارات دينار أردني خلال الفترة ذاتها.
هذا الوزن النسبي ليس هامشيًا؛ بل يعكس موقع إندونيسيا كإحدى بوابات النفاذ المهمة للأردن إلى القارة الآسيوية، ويعني أن تعظيم النفاذ المنظّم إلى السوق الإندونيسية يمكن أن يُحدث أثرًا مضاعفًا على توسّع الصادرات الأردنية، وتصحيح اختلال هيكل التجارة الذي يميل تاريخيًا لصالح الواردات من آسيا غير العربية.
وتزداد أهمية هذه الفرصة بالنظر إلى حجم السوق الإندونيسية الكامنة؛ فنحن نتحدث عن دولة يزيد عدد سكانها على 270 مليون نسمة-أي سوق تعادل نحو 27 ضعف السوق الأردنية. هذا الفارق الديموغرافي يعني أن حصصًا سوقية صغيرة فقط قد تُحدث قفزات ملموسة في الطلب على الصادرات الأردنية الصناعية والغذائية والدوائية والخدمات المعرفية. وبمنطق الاقتصاد الكلي، يوسّع النفاذ المنهجي إلى سوق بهذا الحجم قاعدة الطلب الخارجي، ويُحسّن استقرار الإيرادات التصديرية، ويخفّف حساسية النمو لتقلّبات أسواق محدودة جغرافيًا.
وتُظهر تركيبة الصادرات الوطنية أن قطاعات مثل الأسمدة الأزوتية والكيماوية، الفوسفات والبوتاس الخام، محضرات الصيدلة، والحلي والمجوهرات الثمينة كانت من أبرز محرّكات النمو. وعلى سبيل المثال، يمكن لشراكات تصنيع دوائي مشتركة موجّهة للتصدير إلى جنوب شرق آسيا أن تنقل الأردن من موقع مُصدِّر مواد أولية إلى شريك في سلاسل قيمة إقليمية أعلى، بما ينعكس أثرًا تشغيليًا وتكنولوجيًا مستدامًا.
في الاقتصاد السياسي الحديث تُقاس الشراكات بقدرتها على خفض كلفة المخاطر على المستثمر وتحويل العلاقات السياسية إلى عوائد اقتصادية قابلة للقياس. الأردن يقدّم "ميزة استقرارية" في إقليم مضطرب، فيما تفتح إندونيسيا للأردن بوابة سوق آسيوية ضخمة خارج الاستقطابات التقليدية. وبالمقابل، يتيح الأردن لإندونيسيا منصة نفاذ لأسواق إقليمية ترتبط باتفاقيات تجارة حرة مع أوروبا والولايات المتحدة، ما يعزّز جاذبية الاستثمار الإندونيسي الموجّه للتصدير عبر الأردن، ويحوّل العلاقة من تبادل تجاري استهلاكي إلى شراكات إنتاج موجّهة للأسواق الخارجية.
الإضافة النوعية المطلوبة اليوم هي الانتقال من توصيف ما تم الاتفاق عليه إلى هندسة آليات التنفيذ، عبر تحديد قطاعات أولوية مشتركة، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وربط الحوافز بالأثر التشغيلي والتصديري، بما يحوّل الشراكة إلى مشاريع إنتاجية.
الخلاصة إن الانفتاح الأردني على إندونيسيا ليس مجرد توسيع لخارطة العلاقات، بل فرصة لإعادة صياغة الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية باتجاه شراكات نمو آسيوية توازن محفظة الشركاء، وتفتح أسواقًا ضخمة للصادرات الأردنية، وتستثمر في قطاعات ذات أثر تشغيلي وإنتاجي أعلى. والاختبار الحقيقي لجدّية هذا المسار لن يكون في عدد الاتفاقيات الموقّعة، بل في عدد المشاريع التصديرية المشتركة التي ترى النور خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.