د. كميل الريحاني : حين تنتصر المعدة على العقل.. أزمة وعي في زمن «اللايك»
ليس من باب المبالغة القول إننا نعيش مفارقة مؤلمة: ملايين المشاهدات تتكدس تحت مقاطع إعداد الحلوى والمشاوي، بينما تمرّ مقالة فكرية أو قراءة نقدية مرور الكرام، كأنها كتبت في فضاءٍ بلا جمهور. نحن أمام مشهد يكشف بوضوح خللاً في سلم الأولويات، حيث انتصرت المعدة على العقل، وانتشر ما يُشبع الشهية، وتراجع ما يصنع الوعي.
لا مشكلة في حب الطعام، ولا في متابعة وصفات الطبخ، فالمطبخ جزء من ثقافتنا وذاكرتنا الاجتماعية. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح هذا النوع من المحتوى هو العنوان الأبرز لاهتماماتنا اليومية، وحين يتحول التفاعل معه إلى ظاهرة جارفة، في مقابل عزوف شبه جماعي عن أي محتوى يطرح فكرة عميقة أو يناقش قضية فكرية أو يفتح أفقاً معرفياً.
إنها ليست أزمة منصات فقط، بل أزمة ذائقة. فالخوارزميات لا تصنع الاهتمام من فراغ، بل تستجيب له. حين نمنح «اللايك» بسخاء لفيديو طبقٍ شهي، ونتجاهل مقالاً يحلل واقع التعليم أو يناقش تحديات الاقتصاد أو يثير سؤالاً ثقافياً، فإننا نرسل رسالة واضحة: الترفيه أولاً، والفكر مؤجَّل وربما ملغى.
لقد تحوّل الاستهلاك الرقمي إلى وجبات سريعة، ليس في الطعام فحسب، بل في الأفكار أيضاً. نبحث عما يُضحكنا، يدهشنا، يثير شهيتنا، لكننا نتجنب ما يتطلب قراءة متأنية أو تفكيراً نقدياً. نمرّ على العناوين مروراً خاطفاً، ونكتفي بالتعليق السطحي، ونظن أننا بذلك شاركنا في النقاش العام.
الأخطر من ذلك أن هذا الانزياح لا يبقى في حدود المنصات، بل ينعكس على أولويات المجتمع ككل. تتراجع قيمة الكتاب، ويقلّ حضور الحوار الثقافي الجاد، ويصبح المثقف ضيفاً نادراً في المشهد العام، بينما يتصدّر «المؤثر» قائمة الاهتمام، حتى وإن لم يقدّم سوى محتوى استهلاكي عابر.
لسنا بحاجة إلى إلغاء محتوى الطبخ أو التقليل من شأنه، لكننا بحاجة إلى وقفة صريحة مع الذات: هل يعكس هذا التفاعل الهائل مع ما يدخل المعدة، مقابل هذا البرود تجاه ما يغذي الفكر، مستوى الوعي الذي نطمح إليه؟ هل نرضى أن تكون أولوياتنا الرقمية مرآة لاهتمامات آنية، لا تبني معرفة ولا تصنع رأياً؟
الأمم لا تتقدم بما تأكله، بل بما تفكر فيه. والوعي لا يُبنى على المقاطع السريعة وحدها، بل على القراءة، والنقاش، والبحث، والاختلاف. إن إعادة الاعتبار للفكر تبدأ بخطوة بسيطة لكنها حاسمة: أن نتعامل مع عقولنا كما نتعامل مع أجسادنا، فنمنحها غذاءً صحياً، منتظماً، ومتوازناً.
أما أن نواصل الاحتفاء بما يملأ الصحون، ونتجاهل ما يملأ العقول، فذلك ليس مجرد تفضيل شخصي عابر، بل مؤشر خطير على خلل في بوصلة الاهتمام. والسؤال الذي يبقى معلقاً: أي مجتمع نريد أن نكون مجتمع متابعين لوصفات، أم صُنّاع أفكار؟ ــ الدستور