الأخبار

د. مفضي المومني : مُقترَح إلغاء الشامل لكُلّيّات المجتمع... الأثر والبدائل..!

د. مفضي المومني : مُقترَح إلغاء الشامل لكُلّيّات المجتمع... الأثر والبدائل..!
أخبارنا :  

د. مفضي المومني.
طالعَنا خبرٌ صحفيٌّ لمستشارِ وزيرِ التعليم العالي ومديرِ وحدةِ تنسيقِ القبولِ المُوحَّد يوم أمس الاثنين: «إنّ الوزارة تدرس حاليًّا إلغاءَ امتحانِ الشهادةِ الجامعيّة المتوسّطة (الشامل) مع وضع بدائلَ عنه».

كُلّيّاتُ المجتمع (Community Colleges) أو برامج الـ Associate Degree (دبلوم متوسّط) هي مرحلةٌ تعليميّةٌ محسوبةٌ على التعليم العالي (جامعات، معاهد، كُلّيّات متوسّطة، أكاديميّات… وغيره)، يدخلها الطالب بعد إنهاءِ المرحلة المدرسيّة (12 عامًا)… أو نظمٍ أخرى… تُؤدّي إلى شهادة الثانويّة العامّة كشرطٍ للقبول في مرحلة الدبلوم المتوسّط.

بدايةً، يعود إقرارُ الامتحان العام لكُلّيّات المجتمع (الدبلوم المتوسّط) في الأردن إلى مطلع ثمانينيّات القرن الماضي، بقرار وزارة التربية التي كان يشغلها في حينه د. سعيد التل في حكومة مضر بدران الثالثة، أي قبل ما يقارب 44 عامًا.

وحصلت معارضةٌ كبيرةٌ للقرار في حينه… حيث شابه خللٌ كبيرٌ لتطبيقه بشكلٍ مفاجئ على طلبة السنة الثالثة الخريجين في البوليتكنيك… دون إعلامٍ مسبق عند قبولهم..! وكان تبريرُ الوزارة ضبطَ العمليّة الأكاديميّة للكُلّيّات الخاصّة في حينه… التي بدأت منحَ درجة الدبلوم… وكان هنالك لغطٌ وحديثٌ كثيرٌ عن انخفاض مستوى التدريس، وعدم وجود مشاغل ومختبرات مؤهَّلة، واتهام بالتساهل مع دوام الطلبة والتقييم… وتضخيم معدّلات الخريجين، والتي جعلت طلبة الكُلّيّات الحكوميّة المنضبطة في المؤخرة… وغير ذلك من الأمور.

طُبِّق الامتحان الشامل من خلال وزارة التربية، ومن ثم وزارة التعليم العالي عند إنشائها عام 1985، وبعدها آل إجراءُ الامتحان الشامل إلى جامعة البلقاء التطبيقيّة بحكم قانونها والإشراف على الكُلّيّات الخاصّة والعامّة (غير كُلّيّاتها..) في أواخر تسعينيّات القرن الماضي ولتاريخه.

أمّا القرارُ المُقترَح لإلغاء الامتحان الشامل بعد 44 عامًا من تطبيقه، فيجب أن تُعلِن وزارة التعليم العالي الأسباب… وهل الأمر في مصلحة النظام التعليمي أم لا..! وبذات الوقت طرحُ بدائلَ صحيحةٍ ومضبوطةٍ وقابلةٍ للتطبيق في حال إلغائه…، وهل تمّ الأمر عن دراسةٍ موجودةٍ وتوصيات… أم قرارٍ ارتجاليٍّ بتبريراتٍ مصطنعة أو غير ذات تأثير… أم أنّ هنالك ضغوطاتٍ من جهة ملاك كُلّيّات القطاع الخاص للتحرّر من هيمنة جامعة البلقاء على الإشراف الفنيّ والأكاديميّ المُزعِج… والامتحان الشامل… والأمور الماليّة المترتّبة على ذلك… كلُّ هذا وغيره مطروح… ونتطلّع لقراراتٍ تحمل التطوير والتقدّم وضمان الجودة والنوعيّة… ولا تحتمل التأويل والفزعة أو أيّ ضغوطات..!.

وهنا لا بدّ من مناقشة الموضوع من خلال عدّة محاور ونقاط:

1- تغييرُ قضيّة الإشراف من قبل جامعة البلقاء على الكُلّيّات الخاصّة والحكوميّة والعسكريّة وغيرها… محكومٌ بقانون الجامعة، وأيّ تغيير في التوجّهات بحاجةٍ لتغيير القانون الأصل.

2- طُرح سابقًا أن يُعقَد الامتحان الشامل من خلال مركزٍ وطنيٍّ أو الوزارة… وهنا الامتحان الشامل جزءٌ من منح درجة الدبلوم المتوسّط… ولا يحمل الدبلومَ مَن لم يجتازه… وهنا الدرجات الأكاديميّة لا تُمنَح إلّا من خلال جامعاتٍ أو كُلّيّاتٍ أو معاهد أكاديميّة… ولا تُمنَح من الوزارات..!.

3- صحيحٌ أنّ الامتحان الشامل غير مطبَّق عربيًّا إلّا في الأردن وفلسطين… وعالميًّا غير مطبَّق إلّا في عددٍ محدودٍ جدًّا من الدول أو بعض أقاليمها… لتخصّصاتٍ بعينها؛ صحيّة وتقنيّة، بعد التخرّج كامتحان مزاولة مهنة… وليس امتحانًا أكاديميًّا يؤدّي لدرجة علميّة..!، أو امتحاناتٍ للقبول في الجامعات والتجسير.

4- إلغاءُ الامتحان الشامل يترتّب عليه بدائل؛ إمّا اعتمادُ علامات الخريج من كُلّيّته لغايات التجسير أو التوظيف والتشغيل، ومنحُ درجة الدبلوم المتوسّط من الجامعة أو الكُلّيّة مباشرةً مثل باقي الدرجات العلميّة، إذا علمنا أنّ جميع الكُلّيّات التي تُشرف عليها جامعة البلقاء (غير كُلّيّاتها)، تمنح الدرجة من خلال جامعة البلقاء وبشعارها إلى جانب شعار الكُلّيّة، وتستفيد هذه الكُلّيّات وخريجوها من ذلك، والبديل الآخر عملُ امتحان قبولٍ للتجسير من قبل الجامعات من غير خريجيها حملة الدبلوم المتوسّط، أو امتحان وطنيّ لا يمنح درجةً بل يُمرِّر الخريج للتجسير أو التوظيف.

وهنا يُطرَح تساؤلٌ من واقع التجربة… تضخيمُ معدّلات خريجي دبلوم الكُلّيّات الخاصّة (غير المنضبطة)… بحيث تصبح معدّلات طلبة الكُلّيّات الحكوميّة المنضبطة في الصفّ الثاني، وتكون المنافسة للتجسير والتوظيف غير عادلة…! وهل سنذهب لنظام كوتا تجسير وتوظيف أو نسب للكُلّيّات الحكوميّة وأخرى للخاصة وغيرها… سؤالٌ برسم الإجابة..!

5- بدأت بعض الجامعات الحكوميّة والخاصّة بطرح برامج دبلوم متوسّط… (وهذا ما دعوتُ إليه سابقًا في مقالاتي)، وهنا يصحّ التساؤل عن حصر الامتحان بجامعة البلقاء… وكلّ الجامعات الوطنيّة مؤهَّلة لمنح كافّة الدرجات الأكاديميّة العليا… فلماذا يُستثنَى الدبلوم المتوسّط..!

6- الامتحان الشامل يفرض على جميع الجامعات والكُلّيّات العامّة والخاصّة خطةً دراسيّةً ومنهاجًا موحَّدًا لذات التخصّص باتّجاه الامتحان الشامل الموحَّد، وهذا يحدّ من المرونة والإبداع والتنوّع ومواكبة التطوّرات التكنولوجيّة ومتطلّبات سوق العمل لدى الجامعات الوطنيّة والكُلّيّات الأخرى غير كُلّيّات جامعة البلقاء.

7- في الأحوال الطبيعيّة… ووجود إشراف وضبط واعتماد خاصٍّ وعامٍّ وإشراف صحيح على العمليّة الأكاديميّة في الكُلّيّات والجامعات الخاصّة… تنتفي فلسفة الامتحان الشامل القديمة التي برّرت وجوده… ولكن الواقع يشي لدى البعض بطغيان سلطة المال… وتقاعسٍ عن توفير متطلّبات الاعتماد أو التحايل عليها… والتساهل في العمليّة الأكاديميّة والتدريسيّة والحضور للطلبة… وتضخيمٍ غير واقعيّ لعلامات وتقادير المتخرّجين… وهذا يجب أن يكون حاضرًا في البدائل… كما أسلفت، لكي لا تتراجع العمليّة الأكاديميّة فوق تراجعها الذي يُقِرّ به الجميع…! ولا ندفن رؤوسنا في الرمال؛ فالبعض يقول بذلك عن التعليم الجامعي في بعض الجامعات الخاصّة… ولا نعمّم.

8- اعتمادُ علامات الطالب في البكالوريوس دون المواد المعادلة له من الدبلوم للمجسّرين لغايات القبول في الماجستير… قد يكون عادلًا… ولكن القبول في البكالوريوس تجسير بحاجةٍ لآليّة تواجه تضخيم العلامات المتوقّع… لغير الكُلّيّات الحكوميّة… وهنا البديل امتحان قبولٍ لمن يرغب في التجسير… وقد لا يكون مناسبًا حصرُه بطلبة الكُلّيّات الخاصّة… وهنا يُعاد الشامل ولكن بطريقةٍ أخرى… وكما أسلفت امتحانٌ للتجسير أو التوظيف… ولمن يرغب… وليس شرطًا لنيل درجة الدبلوم كما في الامتحان الشامل.

من هنا… صحيحٌ أنّنا نتفرّد في بلدنا في كثيرٍ من الأمور من غير دول العالم… وتبريراتُنا جاهزة… وذاتُ التفرد يصبح مبرّرًا للتغيير بعد 44 سنة… هذه عجائبُنا… وعجائبُ مخطّطينا… ومع هذا نحن مع أيّ تطويرٍ وتقدّمٍ في نظامنا التعليمي… ولسنا مع الانغلاق والقديم على قدمه… وسكن تسلم… ولكن بتخطيطٍ ومبرّراتٍ محكمة… وليس حالاتٍ إنشائيّةً من هنا وهناك… ولكم في تجربة التوجيهي الماثلة… التي نُزِّهت عن الخطأ عند إقرارها… وبعد سنتين (عدنا نرقّع المفتوق...!).

الممارسات العالميّة في مستوى الدبلوم المتوسّط:

لا يوجد امتحان وطنيّ عام (الشامل الموحَّد على مستوى الدولة لجميع خريجي كُلّيّات المجتمع أو الدبلوم المتوسّط في مختلف التخصّصات).

الشهادة ودرجة الدبلوم المتوسّط تُمنح بناءً على:

النجاح في المتطلّبات الدراسيّة داخل الكُلّيّة (المعدّل التراكمي GPA + الساعات المعتمدة).

اجتياز امتحانات داخليّة أو مشاريع تخرّج وتدريب في مواقع العمل.

في بعض التخصّصات فقط: امتحان ترخيص مهنيّ وطنيّ أو إقليميّ (licensure exam) بعد التخرّج، وليس شرطًا لمنح درجة الدبلوم المتوسط.

الولايات المتّحدة وكندا: لا يوجد امتحان وطنيّ شامل لخريجي Community Colleges. الشهادة (Associate Degree) تُمنح من الكُلّيّة مباشرة. لكن في تخصّصات مهنيّة محدّدة (مثل التمريض ADN، أو بعض المهن الصحيّة/التقنيّة)، يجب اجتياز امتحان وطنيّ مثل NCLEX-RN (للتمريض) أو امتحانات مهنيّة أخرى للحصول على الترخيص للعمل، وليس للحصول على الدبلوم نفسه.

ألمانيا، فرنسا، إسبانيا: برامج الدبلوم المهنيّ أو التدريب المهنيّ العالي (Higher Vocational Education) غالبًا ما تنتهي بامتحانات نهائيّة داخليّة أو إقليميّة، وليس وطنيّة شاملة لكلّ الخريجين. في بعض الدول (مثل بولندا أو صربيا) توجد امتحانات تخرّج مهنيّة وطنيّة للتعليم الثانويّ المهنيّ، لكن ليس للمستوى الجامعيّ المتوسّط.

آسيا (الصين، كوريا، اليابان): الامتحانات الوطنيّة الكبرى (مثل Gaokao في الصين أو Suneung في كوريا) هي للدخول إلى الجامعة، وليس للتخرّج من كُلّيّات المجتمع أو الدبلوم المتوسّط.
الخلاصة:
في الدول الأجنبيّة، التركيز يكون على التقييم الداخليّ + امتحانات ترخيص مهنيّ لتخصّصات معيّنة فقط (مثل التمريض، الهندسة التقنيّة، المحاسبة في بعض الحالات)، وليس امتحانًا عامًّا شاملًا للجميع.

ممّا تقدّم… إلغاءُ الشامل وإيجادُ بدائلَ صحيحةً ومدروسةً وضمانُ ضبط جودة العمليّة الأكاديميّة والأخذُ بكلّ التحوّطات من واقعنا… دون ضغوطاتٍ من جهاتٍ مصلحيّة… متروكٌ لأصحاب القرار… دون أن نلعن الشامل الذي مجّدناه 44 عامًا… ودون أن يأتي وزيرٌ قادمٌ يُلغي القرار ويعود للشامل…!

رحمَ الله الشامل… وننتظرُ الأجمل… والأفضل ما استطعتم لذلك سبيلًا… حمى الله الأردن.

مواضيع قد تهمك