الأخبار

د. راكان ناف ابو زيد: إعادة هيكلة الدوام الرسمي: مسار لتحديث القطاع العام وتنمية الاقتصاد الوطني

د. راكان ناف ابو زيد: إعادة هيكلة الدوام الرسمي: مسار لتحديث القطاع العام وتنمية الاقتصاد الوطني
أخبارنا :  

 تشهد الإدارة العامة في العصر الحديث تحولات جذرية وعميقة رافقها تغير جوهري في فلسفة العمل العام، فلم يعد عدد ساعات الدوام الرسمي أو عدد أيام العمل هو المعيار الأساسي لنجاح الإدارة العامة في تحقيق أهدافها، بل أصبح امتلاك التكنولوجيا والقدرة على توظيفها بكفاءة العامل الأهم في استمرارية المرفق العام وتطوره، وبات يُقاس تطور الإدارة العامة بجودة الخدمات المقدمة وتقليل الوقت والجهد اللازمين للحصول عليها، ومستوى رضا المتعاملين إذ إن التحديث الإداري الحقيقي هو ذاك الذي يلمس المواطن أثره بشكل مباشر.

لذا فإن مواكبة التطورات التكنولوجية تستلزم بالضرورة إجراء تعديلات على الأنظمة والتشريعات بما ينسجم مع أفضل الممارسات في الإدارة العامة، وتُعد إعادة هيكلة الدوام الرسمي إحدى الأدوات الإصلاحية المهمة حيث تنسجم مع خارطة تحديث القطاع العام التي تهدف إلى التحول الرقمي وأتمتة الخدمات الحكومية وتعزيز الثقافة المؤسسية القائمة على الإنجاز والتميز، كما تسهم في تسريع وتيرة التحول الإلكتروني إذ تضع الإدارة العامة أمام حتمية تبني الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتقديم الخدمات للمواطنين على مدار الساعة بما يحقق الاستدامة الرقمية ويعزز فرص التطوير الإداري ويكسب الإدارة العامة أدوات تكنولوجيا المستقبل.

كما أن المقترح بأن يكون يوم الاثنين أول أيام الدوام الاسبوعي للأسواق المالية المحلية يتوافق مع النظام المالي العالمي، وذلك من شأنه تعزيز الثقة الاستثمارية ويحقق تزامناً للنظام المالي الاردني مع الأسواق الدولية ويسهم بزيادة حجم التداول وجذب الشركات العالمية متعددة الفروع لفتح مقرات لها في الأردن، حيث يتيح إعادة هيكلة الدوام الرسمي استمرارية التواصل الإداري والمالي دون انقطاع وتوحيد ايام العطل لتلك الشركات، الأمر الذي يجعل هذه الخطوة محورًا مهمًا في تحديث الاقتصاد الوطني وتحويل الأردن إلى بيئة جاذبة للاستثمارات في المنطقة.

وتسهم إعادة هيكلة الدوام الرسمي إلى خفض التكاليف التشغيلية للمباني الحكومية، بما يشمل استهلاك الكهرباء والمحروقات والمياه إضافة إلى تقليل تكاليف الصيانة وزيادة العمر الافتراضي للأصول الحكومية كما تسهم في تخفيض نفقات وسائل النقل والآليات الحكومية وتقليل الازدحام المروري، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تقليل استهلاك الطرق وخفض كلف صيانتها، بالاضافة الى ذلك فإن تقليص أيام العمل الأسبوعية يسهم في الحفاظ على البيئة والحد من التلوث الناتج عن حركة النقل.

وتُعد إعادة هيكلة الدوام الرسمي من الممارسات الحديثة في الإدارة العامة الهادفة إلى تحقيق التحول الرقمي والرفاه الوظيفي حيث إن إتاحة ثلاثة أيام عطلة أسبوعيًا يسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والراحة الجسدية والنفسية للموظفين كما يشكل فرصة لتطوير الموارد البشرية من خلال التحلو نحو التدريب الإلكتروني والتدريب القائم على الذكاء الاصطناعي خلال أيام العطل، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على جودة مخرجات العمل ويخفف في الوقت ذاته من الأعباء المالية اليومية على الموظفين عبر تقليل المصاريف الأسبوعية.

كما يسهم وجود ثلاثة أيام عطلة أسبوعيًا في تنشيط السياحة الداخلية وتعزيز فرص زيارة المواقع الأثرية والتاريخية ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المحيطة بالمناطق السياحية من خلال زيادة تدفق الزوار في نهاية الأسبوع، كما يؤدي ذلك إلى توزيع النشاط السياحي على مدار العام بدلًا من اقتصاره على مواسم الأعياد، بما يعزز الترابط الاجتماعي ويقوي أواصر التواصل الأسري والمجتمعي، ويوفر فرص عمل جديدة للشباب الاردني في قطاع السياحة.

وإن التوجه نحو اعادة هيكلة الدوام الرسمي هي خطوة في تحديث القطاع العام وتعزيز الاستثمار وتنمية الاقتصاد وقد سبق وأن طُبق في عدد من الدول المتقدمة وله فوائد عديد على الجانب الاداري والاقتصادي، لكن ذلك موقوف على قدرة الادارة العامة على تحقيق التحول الرقمي الشامل وتعزيز الثقافة المؤسسية وتهيئة الموارد البشرية لاستقبال هذه التحديثات من خلال تعزيز المهارات الرقمية والتحول نحو التدريب الالكتروني لموظفي القطاع العام وفق برامج تدريب تراكمية تسهم في تحقيق الاستدامة الالكترونية للخدمات الحكومية.

مواضيع قد تهمك