الأخبار

بشار جرار : أنا «هون»

بشار جرار : أنا «هون»
أخبارنا :  

يحفل شباط (فبراير) بالكثير من الأيام التوعوية في روزنامات -بعضها عالمي- كتكريس شهر أو أسبوع أو يوم للصحة العقلية والنفسية. آثرت التوقف والتأمل مليا هذه السنة، بيوم أطلق عليه اسم: آن الأوان لنتكلم.. والترجمة الأدق والأعمق لما هو في ذهن المختصين بالصحية العقلية والنفسية، هي «الدردشة» لغايات شتى، في مقدمتها «الفضفضة».

سأتفادى التواريخ والإحصاءات -وهي في متناول اليد وعلى بعد بضع نقرات على «غوغل» وغيره من محركات البحث- حتى لا تزاحم الأرقام الكلمات. فكما هي كل عام، تحفل الأجندات التوعوية -وطنية كانت أم أممية- والتي ينبغي ألا تكون موسمية احتفالية، تحفل بفعاليات خاصة بتوعية الأسرة، من مخاطر الإفراط في الانكباب على العالم الافتراضي وبدعته أو «موضته» الحديثة، الذكاء الاصطناعي، حيث تم تكريس جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي، للتحذير من مخاطر تطبيق «تشات جي بي تي» على نحو خاص. فضلا عن الكشف الموثق، لإقحام مواقع من بينها «نِتفلِكس» مواد وسرديات إباحية شاذة، تستهدف الأطفال وفي أعمار مبكرة، وعبر مواد تبدو للأهالي -من غير المتفحصين والمراقبين لما بين أيادي فلذات أكبادهم- تبدو وكأنها «أفلام كرتون» كتلك التي عاشها جيل «الأبيض والأسود»، والبث التلفزيوني الوطني الحصري والموحد، والهاتف المركزي المنزلي الذي كان بعض الأهالي المتشددين يضعون عليه قفلا بمفتاح، لضبط الاتصالات والسيطرة على مرسليها ومتلقيها، وإن كانوا أصحاب الدار أو من «عظام الرقبة»!

من النشاطات التوعوية أيضا مكافحة ظاهرة الانتحار، والتي اتضح ارتباط ما سبق بها، حيث تحدث أهالي مكلومون في جلسة استماع علانية، تحدثوا إلى الأمة الأمريكية والعالم كله، عبر عضو مجلس الشيوخ الجمهوري المحافظ، جوش هاوْلي، فكشفوا بكثير من الكمد والإيمان والرجاء، عن مآسيهم، وكيف قام تطبيق غير آمن على هاتف «ذكي»، بدفع فلذات أكبادهم إلى الانتحار عبر سلسلة محادثات استِدراجية «شيطانية»، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لا ننسى أن ألعابا إلكترونية قام مصمموها الأبالسة بالتسبب بآلاف حالات الانتحار وإيذاء الذات والإدمان على السموم المسماة المخدرات، عبر ما يعرف ب «التحدي» عبر استدراج خبيث ممنهج، يتسلل كما الأفاعي والحرابيّ إلى مخادع الأطفال والآباء نيام آمنين، عبر التلاعب بالفضول والإثارة والنكات وحتى التضليل السياسي والديني! من تلك الأمثلة الصارخة، تفشي الاستغلال والإساءات الجنسية بما فيها الرق الجنسي، في طقوس «أنبياء كَذَبة» من مؤسسي ما تعرف بالطوائف الدينية المُختلقة المزيفة -»كَلْتْسْ»- والتي عرفتها عدة دول في «العالم الأول» من بينها أمريكا وأوروبا، فضلا عن الشرق الأوسط عبر ما شهده بعض «ساحات الربيع العربي» المشؤوم، مما سمي «جهاد النكاح»! التحقيقات الأمنية التي استطاع الإعلام متابعتها أو كشفها، خاصة ما تعرف بالصحافة التحقيقية، أظهرت أهوال لم تقتصر خفاياه على مخيم «الهول» في الحسكة، ولم يقتصر على عصابة داعش الإرهابية في سورية، حيث ضجت الصحافة الغربية فيمن أطلقت عليهن اسم «عرائس داعش» يحملن جنسيات أجنبية وقد حملن بأجنّة لا تعرف هويات آبائهم، على شاكلة «أبو فلان العلنتاني» حيث الكنية أو الاسم الأخير يقتصر على الإشارة إلى اسم مرتبط من البلاد التي أتى منها ذلك الإرهابي.

مكافحة كل ما تقدم من آفات ومآسي لا يمكن أن يقتصر على القوى الأمنية والعسكرية بجميع أذرعها الاستخبارية والشرطية والتنفيذية والتشريعية والإعلامية، المكافحة الاستباقية والوقائية المطلوبة هي المكافحة الرديفة والمستدامة كتلك التي تكون ذاتية وقائية، وهي بذلك -شئنا أم أبينا- تبدأ من الفرد وليس حتى الأسرة، ناهيك عن الحارة أو الحي، ومكان العمل أو العلم أو التدريب، أو المجتمع بأسره.

الدردشة ما لم تكن فضفضة حقيقية عميقة تفاعلية تبدأ بالإنصات الشديد، ستبقى كلاما في كلام. يسخر اليافعون من نُصح الخبراء بمن فيهم الأهالي والتربويون بأن حديثهم يبدو لهم صامتا، وليس كما كان في زمننا نحن «الجيل القديم» الذي كان يقول إن كلام الوعظ المباشر أو التلقي ن -خاصة إن كان من الأعلى وعن بعد- يدخل من الأذن اليمنى ليخرج من اليسرى! الكلام في زمن الانفجار والفوضى الرقمية، صار يُرمز إليه ب «بْلا بْلا بْلا» بالثقافة الأمريكية، بمعنى «اللا شيء»، وليس فقط عديم التأثير أو المعنى!

من أغانينا الوطنية الحديثة، أحببت كثيرا أغنية «أنا من هون» التي كانت من ضمن احتفالات الأردن المفدى باليوبيل الفضي، الهاشميّ العبدليّ، ومنها استلهمت عنوان حديثنا أو «فضفضتنا» اليوم بأنْ «أنا هون».. حيث أول الحديث يجب أن يكون انطلاقا من الاعتراف والإقرار بوجود كائن فريد، لا كان ولن يكون مثيلا له في الوجود.. تلك هي محبة وحكمة وقدرة الله سبحانه، بأنه خلق كلا منا كيانا فريدا.

من المهم نبذ التعميم والتسطيح واستسهال استنساخ حلول ثبت فشلها في عقر دارها رغم أنف تيار العولمة. من الضروري التركيز وطنيا ومحليا، على بناء إنسان قوي بإيمانه الذاتي، قبل انتسابه المكاني أو الزماني. لن يكون فالنا حينها إلا كما هو العشم، فال النصر والنجاح بعون الله.

ولتلك الفضفضة في ميادين الإعلام والترفيه ساحات ومنصات لا تحصى، من بينها الاتصالات المفتوحة خاصة المسموعة وبالأخص المحصورة بين متصل واحد ومذيع واحد فقط. وهذه تحية خاصة من القلب إلى القائمين على «عين وبْتِسمع»، الأخ المتميز عامر الرجوب وفريقه المبدع..

هنا في بلاد العم سام، برامج كثيرة إذاعية تشعر من مصداقيتها العالية أنك على صلة قرابة أو صداقة مع القائمين عليها من بينها «دلايلا راديو شو» لمقدمته دلايلا «دليلة» رينيه، وهو برنامج إذاعي يبث عبر مئة وخمسين محطة أمريكية منذ ثلاثة عقود ونيف، بما يقدر بثمانية ملايين مستمع يوميا.. يضحكك ويبكيك، على بعد بضع دقائق، وأحيانا ليس خلال اتصالين، بل المتحدث نفسه. لا يتحرج المُتّصِل من ذكر اسمه الأول على الأقل، ولا المكان الذي يجري منه الاتصال حتى وإن كان من اجتماع لتعافي مدمنين أو إعادة تأهيل مساجين، فمن ميزة المجتمع الأمريكي الحي، شفافيته في الحديث عن «الأنا»، بعيدا عن النرجسية أو الكِبَر والعياذ بالله، حيث لا تكون الأنا «المنتفِخة»، بل أحيانا المُنسَحِقة أمام ضغوط الحياة. وكم أسهمت اتصالات هاتفية في آناء الليل، قبل «الهزيع الرابع»، من حلول إعجازية حالت دون فراق أو طلاق أو انتحار. «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»..، أجر الإعلامي المؤمن برسالته والحافظ لأمانته قد يضاهي أجر عامل إسعاف أو حارس حدود..

مواضيع قد تهمك