الأخبار

رمزي الغزوي : تضخيم عتبة اللذة

رمزي الغزوي : تضخيم عتبة اللذة
أخبارنا :  

فضائح جزيرة إبستين ليست أخبارا عابرة عن انحراف نخبة مترفة من البشر، ولا حكايات مثيرة للاستهلاك السريع. أعتقد أنها مشهد كاشف عن مأزق إنساني عميق، يتكرّر كلما تُركت النفس بلا ضفاف، وكلما تحوّل الامتياز من نعمة إلى نمط حياة منفلت. هناك، عند أقصى الثراء والسطوة والنفوذ، لم نشهد وفرة سعادة، وإنما رأينا فراغا يتمدّد، وأرواحا تبحث عن ذاتها في أكثر الأماكن ظلمة.

يكمن الفهم الصحيح لتلك الظاهرة في دائرة «تضخيم عتبة اللذة». فالنفس البشرية لا تعرف الاكتفاء بطبعها، هي تعرف التعود أكثر من أي شيء آخر. فمع التعود ترتفع تلك العتبة شيئا فشيئا. فما كان يمنح البهجة في البداية يفقد أثره تدريجيا، فيُطلب المزيد، ثم الأشد، ثم الأقصى. في عمق الدماغ يعمل نظام الدوبامين، لا ليكافئ الامتلاك، إنما ليشعل الرغبة في السعي نحو المزيد والمزيد. وحين يغيب ذلك المسعى بسبب توافر كل شيء، تخبو اللذة وتبهت وتفتر وتغدو بلا طعم أو رائحة، وهنا يبدأ البحث المحموم عن منبه أقوى.

الطعام الفاخر يفقد دهشته حين يصير عاديا، والقصور تتحول إلى جدران صامتة أو سجون، والعلاقات المشتراة تُفرَّغُ من أية حرارة إنسانية. عند هذه النقطة تتضخم عتبة اللذة التي ذكرناها، فلا تعود المتع قادرة على الإشباع. فينتقل الإنسان من المألوف إلى المتطرف، لا بدافع الشهوة وحدها، وإنما بدافع الإحساس. أي إحساس. كما يحدث للمدمن حين لا تعود الجرعة الأولى تكفيه، فيضاعفها بحثا عن نشوة غابت.

المال الفاحش والنفوذ الواسع يعمّقان ذلك المسار لأنهما يرفعان الحواجز ويخمدان كل مقاومة. القانون يلين، والخوف يتراجع، والحدود الأخلاقية تتآكل بصمت. في ظل هذا الفراغ، تتضخم الأنا، ويترسخ شعور خادع بالتفوق والخروج من المساءلة. يتحول الآخر إلى وسيلة ومطية، ويصير الجسد مادة تجربة، وتغدو اللذة اختبار قوة وسيطرة أكثر منها رغبة.

ومع استمرار تضخيم العتبة وارتفاعها يصل الإنسان إلى مرحلة التوحش. هنا لا يعود الهدف متعة حسية، وإنما استثارة قصوى تعيد نبض روح أنهكها التكرار. متعة إذلال الآخر مثلا، لذة الكسر، نشوة التحكم الكامل، والعبث. هذا المسار لا يبدأ فجأة، وإنما يتشكل عبر سنوات من الإشباع المنفلت الذي لم يعرف سقفا ولا معنى.

فضائح إبستين تكشف خللا حضاريا أعمق من سقوط أفراد. حضارة تخلط بين الحرية والانفلات، وتقيس القيمة بما نملك لا بما نكون. حين تُربى النفس على وهم المزيد، تكبر عتبة اللذة حتى تبتلع صاحبها. وحده المعنى، والحد الأخلاقي، والقدرة على الاكتفاء، تصنع سياجا يحمي الإنسان من أن يتحول إلى كائن ثري بكل شيء، ومفلس من الداخل. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك