الأخبار

لما جمال العبسة : عطلة الثلاثة أيام.. بين الطموح والجاهزية

لما جمال العبسة : عطلة الثلاثة أيام.. بين الطموح والجاهزية
أخبارنا :  

طرحت الحكومة مؤخرا فكرة اعتماد عطلة رسمية تمتد لثلاثة أيام أسبوعياً من يوم الجمعة حتى مساء الاحد، للوهلة الأولى، يبدو هذا المقترح خطوة نحو تعزيز الإنتاجية وتحسين جودة الحياة، لكنه في العمق يفتح نقاشاً واسعاً حوله وأسئلة اقتصادية وإدارية عميقة تتجاوز للنظر إلى الكلفة الكلية للاقتصاد، كما يركز هذا الطرح الهام التفكير بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية للتحول من الادارة الفيزيائية إلى السيادة الرقمية، ودور وزارة الاقتصاد الرقمي في تحويل الفكرة إلى واقع ملموس.

الفلسفة الاقتصادية للمقترح تقوم على ضغط ساعات العمل اليومية لتصبح أطول مقابل تقليص عدد أيام العمل، لكن هذه المعادلة تحمل ما يمكن تسميته «فخ الإنتاجية»، فزيادة ساعات الدوام اليومية لا تعني بالضرورة زيادة في الإنتاجية، بل قد تؤدي إلى إرهاق الموظف وتراجع كفاءته.

في المقابل نجد أن هناك مكاسب تشغيلية مباشرة لا يمكن إنكارها لهذا التوجه، فإغلاق مئات المباني الحكومية ليوم إضافي يعني خفضاً ملموساً في فاتورة الطاقة والمحروقات، وهو وفر مالي مباشر للميزانية العامة، لكن هذا الوفر يجب أن يُوازن مع الكلفة غير المباشرة لتعطل مصالح القطاع الخاص والمستثمرين الذين يحتاجون معاملات حكومية يومياً، وهو ما قد يخلق اختناقات اقتصادية إذا لم تُعالج عبر منصات رقمية فعّالة.

من زاوية أخرى، فإن اعتماد عطلة الجمعة–السبت–الأحد يضع الأردن في تناغم كامل مع الأسواق المالية العالمية، وهو أمر لم يكن متاحاً سابقاً، حيث هذا الامر يقلل الفجوة الزمنية في التبادل التجاري والتحويلات المالية من يومين إلى صفر، ويعزز جاذبية الأردن للاستثمارات الأجنبية والشركات العابرة للحدود، وهنا يظهر البعد الاستراتيجي للمقترح، الذي يتجاوز الداخل نحو تعزيز موقع الأردن في الاقتصاد العالمي.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن عطلة الثلاثة أيام تمثل «قبلة حياة» لقطاع السياحة والخدمات، فهي تحرك السيولة النقدية من العاصمة نحو المحافظات، وتفتح المجال أمام تنشيط السياحة الداخلية في العقبة والبتراء والشمال، هذا البعد الاجتماعي–الاقتصادي ينسجم مع أهداف التنمية الإقليمية ويعزز التوازن بين المركز والأطراف.

لكن كل هذه الفرص تبقى رهينة شرط أساسي والمتمثل في التحول الرقمي في الكامل، فإذا لم يتمكن المواطن من إنجاز معاملاته يوم الأحد إلكترونياً، فإن الاقتصاد سيتعطل فعلياً ثلاثة أيام أسبوعياً، وهو ما لا يمكن أن يتحمله اقتصاد يسعى إلى زيادة النمو، وهنا تبرز مسؤولية وزارة الاقتصاد الرقمي، التي عليها أن تتحول إلى لاعب عملي أكثر فاعلية، يضمن استقرار الأنظمة الإلكترونية ويطلق حملات توعية متعددة القنوات تصل إلى كافة شرائح المجتمع، فنجاح المقترح مرهون بقدرتها على توفير منصة خدمات حكومية لا تتوقف، وإلا فإن القرار سيتحول إلى عبء هيكلي على الاقتصاد.

إن المقترح ممتاز نظرياً لترشيد الاستهلاك وتحفيز السياحة، لكنه خطير عملياً إذا لم يُنفذ بحذر، لكن قد يكون الحكم الاقتصادي الواقعي هو أن يُطبق بشكل اختياري في القطاعات الإدارية، مدعوماً بمنصة رقمية حكومية مستقرة، مع الإبقاء على القطاعات الإنتاجية والصناعية تعمل بنظام النوبات لضمان عدم توقف عجلة النمو، وبهذا الشكل، يمكن للبلاد أن تستفيد من الفرص الذكية التي يحملها المقترح، وتتجنب المخاطر الهيكلية التي قد تعصف بجدواه. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك