محمد جودت الرفاعي : المثقفون الأردنيون… سفراء الثقافة ودور ريادي يستحق الدعم
يشكّل المثقفون الأردنيون أحد أهم الجسور الثقافية التي تربط الأردن بالعالم، فهم لا يمثّلون ذواتهم الفردية فحسب، بل يحملون معهم صورة وطن غني بتاريخه، متنوّع بثقافته، ومتجذّر بقيمه الإنسانية والفكرية.
ومن خلال حضورهم الفاعل في مجالات الإعلام، والأدب، والفنون، والبحث الأكاديمي، والعمل الثقافي والمجتمعي، يؤدّون دوراً ريادياً يتجاوز حدود الجغرافيا ليصل إلى عمق التأثير الثقافي والمعرفي، ويعكس الوجه الحضاري للأردن في المحافل المختلفة.
وقد استطاع المثقف الأردني في الخارج أن يكون جزءا أصيلاً من المشهد الثقافي العام في الدول التي يعيش ويعمل فيها، مساهما في الحوارات الفكرية، ومشاركا في الفعاليات الثقافية، وصانعا لمحتوى معرفي وإبداعي يعكس الهوية الأردنية بروح معاصرة ومنفتحة على الآخر، إذ لا يقتصر هذا الحضور على التعريف بالثقافة الأردنية فحسب، بل يمتد إلى تصحيح الصور النمطية، وبناء فهم أعمق للمجتمع الأردني، ونقل قيمه القائمة على الاعتدال، والتسامح، واحترام التنوّع، والاعتزاز بالهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، تبرز دولٌ عدة كنماذج رائدة في احتضان الثقافة والمثقفين، إذ تحرص مؤسساتها الثقافية على دعوة المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين من مختلف الدول، ومن بينهم المثقفون الأردنيون، للمشاركة في إثراء فعالياتها الثقافية المتنوّعة، حيث تُعدّ الأمسيات الشعرية، والملتقيات الأدبية، والندوات الفكرية، والمعارض الفنية، والمهرجانات الثقافية منصّات حقيقية للتلاقي والحوار الثقافي، وأسهمت في إبراز الأصوات الأردنية ومنحها مساحة للتفاعل والتأثير، ضمن بيئة تُقدّر الإبداع وتؤمن بدور الثقافة في بناء المجتمعات وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وتكمن أهمية هذا الدور الثقافي في كونه عملاً تراكمياً طويل الأمد، فالمثقف لا يعمل بمنطق اللحظة أو المكسب الآني، بل يبني أثراً ممتداً عبر الكتابة، والفن، والمبادرات الثقافية، والمشاريع الفكرية، والعلاقات الإنسانية التي تنشأ داخل المجتمعات المضيفة، ومن خلال هذا التراكم، تتشكّل صورة ذهنية إيجابية عن الأردن، قائمة على المعرفة والاحترام المتبادل، لا على الخطاب الدعائي العابر.
وبهذا المعنى، يصبح المثقفون الأردنيون في دول العالم سفراء غير رسميين للأردن، يمارسون الدبلوماسية الثقافية بهدوء وعمق، ويعزّزون مكانة بلدهم في الوعي العربي والدولي، من خلال الحضور اليومي، والكلمة المكتوبة، والعمل الإبداعي، والمشاركة الفاعلة في النقاشات العامة حول القضايا الثقافية والإنسانية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تولي الدولة الأردنية اهتماما أكبر بهؤلاء المثقفين، لا بوصفهم أفراداً يعيشون خارج البلاد فحسب، بل باعتبارهم رصيدا وطنياً حقيقياً وجزءاً من القوة الناعمة الأردنية، فدعمهم معنوياً، وفتح قنوات تواصل مؤسسية ومستدامة معهم، وإشراكهم في المشاريع الثقافية الوطنية، والبرامج الثقافية الخارجية، من شأنه أن يعزّز قدرتهم على الاستمرار والتأثير، ويمنحهم شعوراً بأن الوطن حاضر معهم كما هم حاضرون باسمه في كل محفل.
وإن الاستثمار في المثقف الأردني خارج الحدود هو استثمار في صورة الأردن ومستقبله الثقافي، وفي قدرته على الحضور الإيجابي في عالم باتت فيه الثقافة والفكر من أهم أدوات التأثير، فحين يجد المثقف الدعم والتقدير، تتضاعف قدرته على الإبداع والعطاء، ويصبح أكثر قدرة على نقل ثقافة وطنه بثقة وعمق ومسؤولية، وفي هذا الإطار، يبقى المثقفون الأردنيون في الخارج نموذجاً مشرفاً لدور الإنسان في تمثيل وطنه، وحكاية إيجابية تستحق أن تُروى، وتُدعم، وتُستكمل. ــ الراي