الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : هدر الطعام في الأردن… نحو إعادة توجيه ثقافة الكرم الأردني

م. زيد خالد المعايطة : هدر الطعام في الأردن… نحو إعادة توجيه ثقافة الكرم الأردني
أخبارنا :  

مع اقتراب شهر رمضان المبارك في الأردن، تعود حالة الاهتمام بالطعام لتتصدر تفاصيل الحياة اليومية، تزداد حركة الأسواق، يرتفع الإنفاق الأسري، ويصبح الكرم أكثر حضوراً في المشهد العام، غير أن خلف هذا الإيقاع المألوف تكمن مفارقة تستحق التوقف عندها، فالأردن يهدر الغذاء بقيمة تُقدّر بمليارات الدنانير سنوياً، في وقت تعيش فيه شريحة واسعة من السكان تحت أو بالقرب من خط الفقر، إضافة لنسب رقمية لم يتم احتسابها تعيش ضمن شرائح الفقر المدقع، وتعاني من صعوبة تلبية احتياجاتها الأساسية، إذ تشير التقديرات إلى هدر ما يقارب مليون طن من الغذاء سنوياً بقيمة تتجاوز ملياري دينار، وفي المقابل تعاني مئات الآلاف من الأسر من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وغالباً ما يُنظر إلى هاتين الحقيقتين من زوايا منفصلة دون معالجتهما ضمن إطار سلوكي واحد.

 

لا يحدث هدر الغذاء بسبب الإهمال أو اللامبالاة، بل نتيجة لعادات استهلاكية راسخة، وتوقعات اجتماعية، وتخطيط غير دقيق، حيث يُعبَّر عن الكرم غالباً من خلال وفرة الطعام، بينما تُتخذ قرارات الطهي والشراء في معزل عن واقع الحاجة الفعلية أو أوضاع الآخرين الذين قد يكونون في حاجة، ويبيّن علم السلوك أن هذا الانفصال بين القرار والواقع الاجتماعي هو ما يسمح باستمرار الهدر رغم حسن النوايا، وهنا تبرز أهمية شهر رمضان المبارك، لا لأنه يغيّر القيم، بل لأنه يقرّب هذه القرارات من سياقها الاجتماعي والإنساني.

تبدأ المعالجة بالتوعية، ولكن ليس بصيغتها التقليدية، فالمشكلة لا تكمن في نقص المعرفة بالفقر أو الهدر، بل في كيفية توجيه الكرم، وهنا تتضح الحاجة إلى أن تتجه التوعية نحو إعادة التفكير في هذا التوجيه، فجزء كبير من الموارد يُنفق على طعام زائد لا يُستهلك، في حين يمكن إعادة توجيه جزء من هذا الإنفاق بطرق أكثر فاعلية واستجابة للحاجة الفعلية.

يوفر شهر رمضان المبارك فرصة لإعادة ترسيم الحدود بين الإطعام والعطاء، من خلال تشجيع الأسر على تخطيط الوجبات بشكل واقعي، وتخصيص جزء محدد من ميزانية الطعام للتبرع النقدي المباشر، هذا التحول يحد من الهدر قبل حدوثه، ويضمن وصول الكرم إلى من يحتاجه بشكل أسرع وأكثر كفاءة، فالتبرعات النقدية مرنة وفورية، وتمنح الأسر المحتاجة القدرة على تحديد أولوياتها، كما تخفف الضغط الاجتماعي عن الأسر التي تشعر بضرورة التعبير عن الكرم من خلال الإفراط في إعداد الطعام، ومن منظور سلوكي، فإن هذا النهج يعيد تعريف الترشيد على أنه اختيار مقصود لا تقليص قسري.

ومع ذلك، سيبقى هناك فائض من الطعام حتى مع أفضل التخطيط، وهنا تبرز المرحلة الثانية، وهي جعل إعادة توزيع الفائض قاعدة لا استثناء، وقد أظهرت إحدى التجارب الدولية الناجحة أن إلزام المتاجر الكبرى بتوجيه الغذاء الصالح للاستهلاك نحو الجمعيات الخيرية بدلاً من التخلص منه أحدث تحولاً جذرياً في السلوك، إذ لم يعد التبرع خياراً طوعياً متقطعاً، بل أصبح المسار الطبيعي للنظام، وعلى المستوى المجتمعي، أثبتت نماذج قائمة على الأحياء والمناطق فاعليتها، حيث تُخصص نقاط تجميع واضحة داخل كل منطقة تُمكّن الأسر من إيصال فائض الطعام بسهولة، على أن تتولى مؤسسات محلية أو شركات متخصصة جمعه وتوزيعه بشكل منظم، وبهذا تتحول إعادة التوزيع من مبادرة فردية عشوائية إلى ممارسة جماعية مألوفة، ويتراجع الهدر تلقائياً دون الحاجة إلى خطاب أخلاقي ضاغط.

وتتكامل هاتان المرحلتان معاً، فالإنفاق الواعي يقلل الفائض غير الضروري، بينما تضمن إعادة التوزيع وصول الفائض المتبقي إلى من يحتاجه، وبهذا يتحول الكرم من سلوك رمزي إلى ممارسة فعّالة ومنسجمة اجتماعياً.

إن ربط هدر الغذاء بالفقر لا يهدف إلى إثارة الشعور بالذنب، بل إلى لفت الانتباه إلى فجوة قائمة بين ما نملكه وما نحتاجه، ففي بلد محدود الموارد ومتفاوت الاحتياجات، يمكن لتوجيه جزء بسيط من القيمة المهدرة أن يخفف العبء عن الأسر، ويدعم جهود الأمن الغذائي، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويأتي شهر رمضان المبارك كفرصة نادرة لردم هذه الفجوة، ليس عبر الخطاب الوعظي، بل من خلال مواءمة التعاطف مع السلوك اليومي، وجعل الخيارات الأكثر فاعلية والأسهل تطبيقاً جزءاً طبيعياً من ممارساتنا.

مواضيع قد تهمك