اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

علاء الدين ابو زينة : حل الدولتين والتعايش المستحيل..! (2-2)

علاء الدين ابو زينة : حل الدولتين والتعايش المستحيل..! (22)
أخبارنا :  

أزمة الشرعية والذاكرة

في استطلاع مركز «بيو» المشار إليه في الجزء الأول من هذا المقال، يحوّل العنف الصراع التاريخي في فلسطين بين أصحابها والمستعمِرين إلى ذاكرة شخصية حيّة. وفي هذا الإطار، يستحضر مواطنو الكيان أحداث 7 تشرين الأول والحرب في غزة، بينما يستعيد الفلسطينيون تاريخ الاحتلال والحروب والقتل والتهجير والدمار- إلى جانب عنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية. واللافت أن الإشارة إلى التاريخ المشترك للعنف جاءت بمعدلات متقاربة تقريبًا لدى الطرفين حين طُلب منهما تفسير استحالة التعايش. ويستحضر كل طرف تاريخًا مختلفًا من الضحايا والخوف، ويستخدمه لإثبات أن الطرف الآخر غير جدير بالثقة.

 


يحتل انعدام الثقة موقعًا مركزيًا في مكتشفات الاستطلاع. وتتخطى المسألة مجرد الشك بالحكومات أو الاتفاقيات، إلى الخوف من نوايا الطرف الآخر، والاعتقاد بأنه سيستخدم أي تسوية لمصلحته ثم ينقلب عليها. وفي بعض الإجابات، يصبح الشك مطلقًا: الآخر يكذب، ولا يحترم الاتفاقات، وينتظر الفرصة المناسبة لمهاجمة الطرف المقابل. ومع تراكم عقود من الحرب والتهجير والسيطرة والعنف، تصبح الثقة شرطًا للسلام ونتيجةً مفترضة له في الوقت نفسه؛ وهي حلقة يصعب كسرها.

تشير نتائج الاستطلاع إلى مستوى أكثر قتامة، حيث تحول الصراع من نزاع سياسي قابل للتفاوض إلى تصوُّر عن عدم قابلية الطرف الآخر للتعايش من الأساس. وبالإضافة إلى انعدام الثقة، يتحدث بعض المشاركين عن اختلافات دينية أو ثقافية أو أيديولوجية جوهرية، وعن كراهية عابرة للأجيال. وتتصوّر بعض الإجابات صراعًا ممتدًا إلى المستقبل البعيد- بل إلى الأبد. ولا تمثل هذه الآراء بالضرورة موقف الأغلبية في كل مجتمع، ويحذر المشرفون على الاستطلاع من التعامل مع الإجابات المفتوحة بوصفها قياسات كمية؛ لكنها تكشف أطرًا ذهنية تنقل الصراع من السياسة إلى الهوية والوجود.

مع ذلك، لا يخلو الاستطلاع من نافذة ما. ثمة الأقلية التي ترى التعايش ممكنًا، لكنها لا تستند غالبًا إلى تفاؤل مجرد، وإنما تربطه بشروط مثل التنازلات المتبادلة، وإعادة بناء الثقة، وتغيير القيادات، وإنهاء العنف، وإزالة العقبات المادية، وتدخل دولي أو ضمانات أمنية، وإعادة تشكيل نظرة الأجيال الجديدة إلى الطرف الآخر. ويربط بعض الفلسطينيين إمكانية السلام مباشرة بإنهاء الاحتلال والاستيطان والحواجز، بينما يشدد بعض مواطني الكيان على ضرورة توفير ضمانات أمنية وتغير المواقف الفلسطينية تجاه الكيان.

ثمة مفارقة لافتة أيضًا في أن بعض الذين يقولون إن التعايش ممكن لا يرونه قريبًا أو سهلًا، لكنهم يرونه حتميًا في نهاية المطاف. وتذهب بعض إجابات مواطني الكيان إلى أنه «لن يذهب أحد إلى أي مكان»؛ ولذلك يجب تعلم العيش معًا. ويظهر المعنى نفسه في إجابات فلسطينية ترى أن استمرار الحرب سيجعل التعايش، في مرحلة ما، خيارًا لا مفر منه. كما يتبنى بعض المشاركين تصورًا عمليًا يرى في الدولتين صيغة للفصل السياسي والاستقلال المتبادل: يريد بعض مواطني الكيان الفصل لتقليل الخطر الأمني، ويريده بعض الفلسطينيين لإنهاء التدخل في شؤونهم.

لكن الاستطلاع يقدم إشارة مهمة إلى تقلص المساحة الوسطى. في الكيان، لم يجب 20 بالمائة من المشاركين عن السؤال، وهي نسبة تعادل ضعف العام السابق. وبين المواطنين العرب في الكيان بلغت نسبة عدم الإجابة 46 بالمائة، بينما لم يجب 10 بالمائة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولا يمكن تفسير الامتناع باعتباره موقفًا سياسيًا محددًا، حيث لم يطلب «بيو» من الممتنعين توضيح أسبابه؛ لكنه يظل مؤشرًا إلى أن السؤال نفسه أصبح شديد الحساسية أو التعقيد لدى قطاعات من الجمهور.

من المهم أيضًا ألا يُقرأ الاستطلاع على أنه استفتاء على حل الدولتين في ظروف سياسية عادية. فقد أُجري العمل الميداني بين 30 آذار و6 أيار 2026، خلال الحرب الأميركية-الإيرانية. وبدأت المقابلات بينما كانت الأعمال القتالية مستمرة، واستمرت بعد إعلان وقف أولي لإطلاق النار في 7 نيسان. كما لم يتمكن «بيو» من إجراء استطلاع في غزة لأسباب أمنية. ولذلك تعكس النتائج مزاجًا عامًا تشكل تحت تأثير حرب إقليمية متزامنة مع حرب غزة، ولم يكن اختبارًا مجردًا لموقف مستقر وثابت من التسوية السياسية.

تستحق منهجية الجزء الإنشائي النوعي من الاستطلاع عناية خاصة. فقد عُرضت الإجابات المفتوحة التي اختارها التقرير كأمثلة توضيحية للموضوعات وليس كنسب إحصائية. كما اختيرت الاقتباسات لإيضاح الأفكار، وخضعت للتحرير والاختصار، ولم يحاول الباحثون التحقق من صحة الادعاءات الواقعية الواردة فيها لأنها تُعرض بوصفها آراء أصحابها. لذلك ينبغي قراءة العبارات الأكثر حدة باعتبارها وثيقة عن المخيال السياسي والاجتماعي وليس كإثبات لصحة الوقائع التي يذكرها المشاركون.

في المحصلة، تكشف دراسة «بيو» عن أزمة أعمق من انخفاض تأييد حل الدولتين؛ أزمة في الشروط النفسية والسياسية التي يتطلبها أي حل تفاوضي. سوف تحتاج التسوية إلى أرض قابلة للتقسيم، وحقوق يمكن الاعتراف بها، وأمن يمكن ضمانه، وقيادات قادرة على اتخاذ قرارات صعبة– والأهم، وجود حدّ أدنى من الاعتراف المتبادل بشرعية وجود الطرف الآخر. وتُظهر إجابات المشاركين أن هذه العناصر جميعًا تقريبًا موضع نزاع.

لذلك تبدو أزمة حل الدولتين أزمة ثقة وشرعية وذاكرة بقدر ما هي أزمة حدود. ثمة الفلسطينيون الذين يرون الاحتلال والاستيطان عائقًا مركزيًا ولا يفصلون السلام عن إنهاء السيطرة التي يعيشون تحتها؛ وثمة مواطنو الكيان الذين يرون الدولة الفلسطينية خطرًا أمنيًا غير منفصل عن احتمال تكرار العنف. وبين هذين التصورين يتقلص المجال الذي يمكن أن تنشأ فيه تسوية سياسية قابلة للحياة.

المفارقة التي يلتقطها الاستطلاع هي أن الحاجة السياسية إلى تسوية لم تختفِ، لكنّ تراجُعًا ألمّ بالقناعة الشعبية بإمكانية تحقيقها. ثمة بعض الفلسطينيين ومواطني الكيان الذين ما يزالون يرون في الدولتين مخرجًا منطقيًا، أو ضروريًا، أو حتميًا، لكن أصحاب هذه الرؤية أصبحوا أقلية. وفي الوقت نفسه، يكشف الجزء الإنشائي من الاستطلاع أن قطاعات من الطرفين تجاوزت التوقف عن مناقشة شروط التسوية إلى التشكك في أهلية الطرف الآخر لأن يكون شريكًا فيها من الأساس.

وإذن، كيف يمكنُ في هذا المناخِ الشروع في عملية لتحقيق اتفاق سياسي؟ لقد تجاوز الخلاف مسائل صيغة الدولة وحدودها وترتيباتها الأمنية إلى شك شعبيّ عميق ومتأصِّل في ما إذا كان الطرف الآخر سيكون، حتى بعد اتفاق، طرفًا يمكنُ الثقة به والعيش معه.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك