رجا طلب : منصور العجمي.. حين انتصر الإعلام على خلافات السياسة!
ليست كل الشهادات التي نكتبها عن أصدقائنا مجاملة، وليست كل الكتابة عن تجربة إنسانية استعادةً لذكريات شخصية، أحياناً تصبح الكتابة واجباً مهنياً وأخلاقياً تجاه أشخاص أدركوا في لحظات بالغة الصعوبة أن ما يجمع الناس أكبر مما يفرقهم، وأن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تبقى رهينة الخلافات السياسية مهما كانت عميقة ومؤلمة.
من هذا المنطلق، أكتب عن صديقي الإعلامي الكويتي منصور العجمي، مستعيداً تجربة أراها جديرة بالاهتمام، ليس فقط لما تكشفه عن شخصيته المهنية، وإنما لما تقوله عن دور الإعلامي في حماية العلاقات العربية من آثار الأزمات السياسية وتداعياتها.
أود الإشارة الى منصور في اللحظة التي كانت فيها العلاقات الأردنية الكويتية، في مرحلة ما بعد الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 والتي تحمل آثار أزمة، وألقت بظلالها على العلاقة بين البلدين الشقيقين.
في مثل هذه الأجواء، لم تكن مهمة الإعلامي الكويتي في الأردن مجرد تمثيل بلاده أو نقل مواقفها الرسمية، بل كانت تتطلب فهماً عميقاً لتعقيدات المشهد الأردني الداخلي، وقدرة على التعامل مع اختلاف المواقف دون تحويلها إلى حواجز دائمة بين الصحفيين في البلدين.أخبار الأردن
وهنا تحديداً تكمن إحدى أبرز ميزات منصور العجمي كما عرفته من خلال تجربتي معه، فقد امتلك قدرة لافتة على بناء علاقات مهنية مميزة مع الإعلاميين الأردنيين، في وقت لم يكن فيه تجاوز آثار الأزمة أمراً سهلاً، فمنصور العجمي لم يتعامل مع الخلافات السياسية باعتبارها حكماً نهائياً على الأشخاص، ومن خلال هذا الفهم لمهمته نجح في الفصل بين الموقف السياسي والعلاقة المهنية، فاتحاً المجال أمام التواصل والحوار والعمل المشترك، حتى في بيئة اتسمت بحساسية المواقف وتباينها، وفي المقابل لم يكن هذا الفصل إنكاراً لما جرى، ولا تقليلاً من حجم الأذى الذي ألحقه الاحتلال العراقي بالكويت وشعبها، بل كان تعبيراً عن فهم ناضج للفارق بين حق الدولة في الدفاع عن مواقفها وذاكرتها الوطنية، وبين ضرورة إبقاء أبواب التواصل مفتوحة مع مجتمع عربي شقيق تتعدد داخله الآراء والاجتهادات.
وهذه، في تقديري، إحدى المهارات الأصعب في العمل الإعلامي الخارجي، أن تكون وفياً لوطنك، واضحاً في التعبير عن مصالحه، دون أن تجعل الاختلاف السياسي سبباً لإغلاق قنوات التواصل مع الآخرين.
وقد اكتسبت هذه التجربة أهمية إضافية في ضوء طبيعة عمل منصور العجمي في الإعلام الكويتي، بما في ذلك تجربته في الأردن، وعمله بمعية عدد كبير من وزراء الاعلام في الكويت الشقيقة، فالتعريف بالكويت وخدمة صورتها الحضارية لا يتحققان بالخطاب الرسمي وحده، وإنما يحتاجان أيضاً إلى أشخاص قادرين على بناء الثقة، وإيجاد روابط مستدامة مع الإعلاميين والمثقفين في المحيط العربي.أخبار الأردن
ومن خلال هذه التجربة، تبدو العلاقات المهنية التي بناها العجمي أكثر من مجرد رصيد شخصي؛ إنها جزء من العمل الإعلامي الذي يترك أثراً في العلاقات بين البلدان، فالملتقيات واللقاءات مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تنجح في تجاوز الحساسيات، وتفتح المجال أمام تعاون لا تلغيه الاختلافات ولا تعصف به تقلبات السياسة.
وأنا أكتب عن منصور العجمي، لا أستعيد سيرة وظيفية لشخص عاصرته ومازلت، بقدر ما أستعيد درساً في الممارسة الإعلامية قائمة على مبدأ أن خدمة الوطن لا تعني الانغلاق على الذات.
في منطقتنا العربية، كثيراً ما تنجح السياسة في إقامة الحواجز، بينما يقع على عاتق الإعلاميين أن يبحثوا عن النوافذ التي تسمح لهم بالتواصل من جديد، ومنصور العجمي، في تجربته التي عرفتها، كان ممن أدركوا هذه الحقيقة ومارسوها في واحدة من أكثر مراحل العلاقات الأردنية الكويتية حساسية.
ولعل هذه هي الشهادة التي أريد أن أتركها هنا: أن بعض الإعلاميين يخدمون أوطانهم بما يقولونه، فيما يخدمها آخرون أيضاً بما يصنعونه من علاقات، وبما يمنعونه من قطيعة، وبما يتركونه من احترام متبادل يتجاوز الأزمات.
ــ الراي