«الـغـرب والـحـضــــــارة العـربيـة الإسلاميـة.. مـن مـؤتـة إلى غــزة»
فيصل الشبول
في مُؤلَّف موسوعي من أربعة أجزاء، أصدر العالم الطبيب الأردني الدكتور كامل العجلوني كتابه «الغرب والحضارة العربية الإسلامية عداء دائم أم تعايش المضطر – من مؤتة إلى غزة».
تقع المجلدات الأربعة في 2486 صفحة مع الفهارس والوثائق والمراجع، و1674 صفحة من دونها، ويزن الكتاب 5,431 كغم.
عكف الدكتور العجلوني على وضع مؤلفه في سبع سنوات، وأهداني الكتاب آملاً مراجعته في سبعة أيام.
لفت انتباهي في إهداء الكتاب: «إلى روح والدي الشيخ محمد صالح العجلوني، الذي علمني قول الحق، وألا أقول إلا الحق، وألا أخضع إلا للحق، وألا أركع إلا للحق» فالكتاب إذن، هو مجمل القناعات (الحق) التي توصل إليها الكاتب خلال سبعة عقود من الوعي، بدءاً من دراسته الجامعية في ألمانيا ومروراً بمسيرته العلمية الطويلة وخبرته وتجواله في المنطقة والعالم، ودراسته للحضارات العالمية قديمها وحديثها وبضمنها حضارة أمته العربية والإسلامية.
في تقديمه للكتاب، وكذلك في استعراضه للعديد من فصوله، يشكر العجلوني عشرات العلماء والمثقفين والسياسيين الذين ساندوه في البحث والمراجعة والتدقيق. وهو يقدم العلامة الدكتور عدنان البخيت، قبل هؤلاء جميعاً، فقد كان يلتقيه كل يوم سبت على مدى السنوات السبع للنصيحة والنقد والمراجعة. أما القائمة فطويلة.
ويكشف أن كتابه الموسوعي العلمي «تاريخ الطب الحديث في الأردن وفلسطين منذ القرن التاسع عشر» الذي ركز فيه على العلاقة الوطيدة بين الاستعمار والتبشير والخدمات الإنسانية وهي الطب والتعليم، ونقد هذه القناعة (مخالفتها) من قبل البعض، قد ولّدت لدى الكاتب فكرة هذا الكتاب الجديد.
الغرب بالنسبة للعجلوني هو المسيحية وتوحد الصهيونية معها لاحقاً. أما الإسلام فبدايته العرب، بدليل نزول القرآن باللغة العربية، ولاحقاً صارت العرب العاربة (الأصليون) والعرب المستعربة (الذين دخلوا الإسلام وصاروا جزءًا من المجتمع العربي والحضارة العربية الإسلامية).
يعرض الدكتور العجلوني آراء علماء ومثقفين في الجزء الأول من الكتاب. ومن هؤلاء الدكتور رضوان السيد العربي اللبناني، أحد أبرز المختصين في الفكر السياسي العربي الإسلامي الذي يرى أن: «مشكلات الحاضر كانت بين أهم دوافع مشروع العجلوني الشديد التشاؤم».
لماذا اعتبر معركة مؤتة البداية؟ يقول إنها «الحرب الأولى» بين «الإسلام والمسيحية» أي بداية المواجهة. كذلك فإنه يعتبر فتح القسطنطينية 1453 م «بداية الصراع المباشر مع الغرب الأوروبي المسيحي».
سيأخذ المؤرخون والنقاد على الدكتور العجلوني طرحه الأساسي في الكتاب من أن الحضارة العربية الإسلامية كتلة واحدة، وأن الغرب المسيحي الكاثوليكي البروتستانتي المتحالف لاحقاً مع الصهيونية كتلة واحدة هو الآخر.
يقول: «وطالما أن الإسلام يظل وسيظل كما هو، وأن الغرب يظل – وهذا غير مؤكد – كما هو، فإن الصراع الأساسي بين الحضارتين الكبيرتين سوف يستمر».
وسيثير الجدل حول الكتاب خارج بلاد العرب والمسلمين، اعتباره أن الفتوحات الإسلامية التي بدأت واتسعت خارج الجزيرة العربية وصولاً الى أوروبا هي من قبيل «الحق» فيما الغزوات الصليبية تجاه المنطقة كانت من قبيل الباطل.
من قبيل «قول الحق» بنى العجلوني سرديته على احتمالين في علاقة الحضارة العربية الإسلامية مع الغرب: العداء الدائم أم تعايش المضطر.. ولم يترك مجالاً لأي احتمال أو احتمالات أخرى.
«وذروة هذا الصراع في العصر الحديث هي الكارثة الفلسطينية التي ليست بسبب تغلب قوات اليهود..، فهي في الأصل حرب صليبية لا شك فيها، فقد بدأت الحركة الصهيونية التي أسميها «الصهيونية الثيولوجية» (اللاهوتية) ممثلة بالحركة البروتستانتية التي عملت على إشهار فكرة عودة اسم «أرض الميعاد» معتمدة على أسس دينية لم تكن موجودة في الفكر الكاثوليكي، بل كان العداء مستعراً بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود لاتهام اليهود بقتل المسيح وتحمل دمه».
في زمن ثقافة العناوين والملل من قراءة النصوص الطويلة، فإن من حسن الطالع أن يتولى الذكاء الاصطناعي تكثيف محتوى الكتاب الموسوعي إلى المهتمين، وإلى العامة أيضاً. من دون ذلك سيتم اجتزاء بعض ما فيه، وقد يصنف، غربياً، في باب خطاب الكراهية.
لم يعلق الغرب المسيحي على خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2026)، عندما أشار إلى «اضطهاد المسيحيين في كل أنحاء العالم».
كذلك فلم يعلق الغرب أيضاً على تكرار بنيامين نتنياهو ووزراء في حكومته في تبريرهم للقتل والدمار في غزة والضفة الغربية ولبنان وحتى إيران بأنها حرب دينية وتركيزهم الدائم على مظلومية اليهود.
هاتان الحقيقتان تدعمان وجهة نظر العجلوني في تصنيفه للغرب الاستعماري ولا سيما البروتستانتي الصهيوني.
واضح من «سردية» العجلوني اطلاعه الدقيق على تاريخ الحضارات وعلى آراء المفكرين الغربيين، وأنه أراد في جانب منها الرد على أولئك، وهو يورد آراءهم في كتابه.
فبرنارد لويس المستشرق البريطاني الذي استخدم مصطلح صراع الحضارات قبل هنتنجتون (المصدر الأساسي للصراعات بعد الحرب الباردة سيكون ثقافياً ودينياً)، اعتبر أن المواجهة بين الإسلام والغرب ليست مجرد خلاف سياسي أو اقتصادي بل صراع حضاري وتاريخي طويل الأمد.. ناتج عن شعور بالغربة والإحباط تجاه التردي الحضاري مقارنة بالتفوق الغربي.
أما آرنست جيلنر البريطاني صاحب كتاب «شروط الحرية» فيرى أن الإسلام يمتلك مناعة فريدة ضد «العلمنة» على عکس بقية الأديان والحضارات، مما يجعل دمج النماذج السياسية الغربية في المجتمعات الإسلامية أمراً صعباً، ويخلق مواجهة حضارية مستمرة بين النموذج الغربي العلماني والنموذج الإسلامي.
وفي كتاب صراع الحضارات لصامويل هنتنجتون، فإن الحدود الفاصلة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية هي الأكثر عرضة للصدام المباشر (يقصد داخل أوروبا نفسها).
أما الأميركي فرانسيس فوكوياما، فيرى أن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق الحر تمثل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للبشرية، والشكل النهائي لنظام الحكم في المجتمعات، أي أن الديمقراطية الغربية والرأسمالية ستصبحان النموذج الموحد والنهائي للبشرية.
«الإنسان الأخير» بالنسبة لفوكوياما، مجتمعات ديمقراطية ورفاهية استهلاكية قد تنتج إنساناً بلا طموح أو إبداع، يكتفي بالراحة ويميل للرخاوة والتفاهة.
بالنسبة للدكتور العجلوني، فإن ما ذهب إليه هؤلاء، يعطي صورة واضحة عن نظرة الغرب إلى الحضارة العربية الإسلامية.
يستعرض العجلوني تعريفات مصطلح الحضارة لدى العديد من المفكرين والفلاسفة لكنه يقول:
«تعتمد الحضارات الإنسانية المختلفة على بعضها البعض، فكل حضارة جاءت امتداداً للحضارات التي سبقتها، وتسهم كل حضارة في البناء الأساسي الحضاري للعالم بأكمله، فالحضارة الإغريقية وغيرها من الحضارات القديمة تميزت بوضع أساسات البناء الحضاري، وجاءت الحضارة الإسلامية لتعمل على ازدهار هذا البناء الحضاري، ومن بعد المسلمين جاء الأوروبيون ليسهموا في تطوير هذا البناء الحضاري».
ويحدد أسباب انهيار الإمبراطورية الإسلامية: الصراعات الداخلية بين الفرق والمذاهب، تعدد مراكز (القوى)، الغزو المغولي والصليبي، تحول طرق التجارة البحرية إلى أيدي الأوروبيين بعد القرن الخامس عشر.
ويعرض 19 نموذجاً للإمبراطوريات من الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية الأميركية (أميركا وحلفاؤها)، ويرى أن معظم الإمبراطوريات الكبرى وصلت إلى نهايتها بفضل تداخل عوامل داخلية وخارجية. ويعرض رأي بول كنيدي صاحب نظرية «الإفراط الإمبراطوري» الذي يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد وتآكل القدرة على الحفاظ على التوسع. أما توينبي فيرى أن الفشل في تقديم الاستجابات الخلاقة للتحديات الداخلية والخارجية يقود إلى الانهيار.
بالنسبة للكاتب:
- العرب هم الكتلة المحورية والمُنشِئة للحضارة الإسلامية، وقد تعرّب معهم وصار جزءًا منهم عدد من الشعوب: أنباط، سريان، أقباط، أمازيغ، كرد، فرس، بلوش، ترك.
- الضفة الشرقية الجنوبية للمتوسط هي الأكثر تأثراً وتأثيراً في العلاقة مع الغرب على مدى ألفي سنة.
- تحولت علاقة العرب مع الغرب إلى صراع منذ الحرب العالمية الأولى - صراع استراتيجي معقد ومستمر ثم تحول بعد الحرب العالمية الثانية إلى قضية عالمية (إنشاء إسرائيل).
السؤال التاريخي الذي يطرحه الكاتب:
لماذا غلب الصراع على هذه العلاقة، في حين لم يحدث صراع مع الحضارات الأخرى مثل الفرس والترك والكرد والأمازيغ والهند والصين وآسيا الوسطى وشرق آسيا وشمال إفريقيا رغم أن العرب والغرب (أوروبا تحديدًا) يقعان في إقليم واحد هو حوض المتوسط؟
ويُقرر: العداء بين الإسلام والغرب ليس مسألة طارئة مرتبطة بـ «التطرف المعاصر»، بل هو صراع ممتد من 14 قرناً، يرتكز على الدين والمصالح الاقتصادية والاستعمارية، وتتخلله فترات تفاعل حضاري أو تبادل تجاري وثقافي.
يستعرض تاريخياً علاقة العرب بالإمبراطورية البيزنطية 632-1453م. والحروب الصليبية بين العرب والفرنجة 1095-1292 والصراع بين الدولة العثمانية والغرب بعد سقوط القسطنطينية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، والصراع والتفاعل بين العرب والغرب في الأندلس وشمال إفريقيا، والاستعمار الأوروبي الغربي للعالم العربي بدءًا بالحملة الفرنسية على مصر 1798 إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وإقامة إسرائيل في قلب العالم العربي ودور الصهيونية المسيحية في الصراع العربي الإسرائيلي.
يرى الكاتب:
على مدى 14 قرناً تشكّلت علاقة بين العرب والغرب على نحو متأرجح بين الصراع والتبادل الحضاري، غير أن المَلمح الغالب عليها هو العداء.
يُعرّف الحضارة العربية الإسلامية بأنها إطار مركب جمع بين اللغة العربية بوصفها الوعاء الثقافي والقرآن الكريم بوصفه المرجعية الروحية والسياسية، فالعرب كانوا النواة المركزية لهذه الحضارة، فيما تعرّبت أقوام وشعوب أخرى كالفرس والأمازيغ والأكراد والترك.
أما الحضارة الغربية فيقول إنه رغم تأسيسها على الدين المسيحي، فإنها قامت تاريخياً على نقد الكنيسة والفصل بين الدين والسياسة، خاصة منذ عصر النهضة والإصلاح الديني، وهو ما جعلها حضارة قائمة على العلمانية الصلبة أكثر من التديُّن الكاثوليكي أو البروتستانتي، لكن بقي الدين وخاصة في فضائه البروتستانتي عاملاً قوياً في التماسك السياسي وأدلجة الصراع.
وينقل عن برنارد لويس أن الإسلام شكل تهديداً مستمراً لأوروبا لمدة تقارب ألف عام، من أول وصول المسلمين إلى إسبانيا حتى حصار فيينا عام 1683م.
وعن صموئيل هنتنغتون الذي يضع الإسلام في مواجهة الغرب بوصفه التحدي الحضاري الأكبر بعد سقوط الشيوعية.
كذلك يرى العجلوني أن «الاستعمار لم يكن مجرد امتداد للسياسة الإمبريالية الأوروبية، بل كان مشروطاً بمرجعيات لاهوتية (مسيحية صهيونية) وبنزعات تقسيم وإعادة هندسة للمشرق العربي، انتهت بزرع الكيان الصهيوني في فلسطين».
أما عن القضية الفلسطينية فيرى أنها ليست حدثاً عابراً، بل تمثل ذروة التقاء الاستعمار الغربي مع الصهيونية اليهودية - المسيحية. وقد تكرست هذه العلاقة عبر وعد بلفور والانتداب ثم الأمم المتحدة والفيتو، ما جعل الصراع العربي - الغربي متجذراً في بنية النظام الدولي.. فلسطين هي (المسرح النموذجي) الذي اختزل فيه الغرب علاقته بالعرب والمسلمين».
وكذلك فإن: «المشروع الصهيوني لم يكن ليقوم لولا المسيحية الصهيونية في بريطانيا والولايات المتحدة التي رأت في عودة اليهود تحقيقاً للنبوءات التوراتية. ومن هنا جاء الدعم الغربي لإسرائيل على أنه (تكليف الهي)، لا مجرد تحالف سياسي. كما أن قرار تقسيم فلسطين 1947 في الأمم المتحدة مثل امتداداً لهذا الإرث الديني - السياسي حيث أعطى 55 % من الأرض للأقلية اليهودية (ثلث السكان) في حين تركت الأغلبية العربية في مساحة أقل».
ويتحدث العجلوني عما يطرح مؤخراً منذ الرئاسة الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيقول: «الإبراهيمية مصطلح غامض فضفاض ذو طابع ديني، كثر استخدامه في السنوات الأخيرة، حيث تم توظيفه لتنفيذ رؤى واستراتيجيات الولايات المتحدة كأكبر دولة في عالم اليوم، في منطقة الشرق الأوسط».
الحديث عن الإبراهيمية لنبذ الخلافات بين أتباع الديانات الثلاثة بهدف إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومن ثم تحقيق السلام الشامل.
أما الكاتب فيراها سياسة للمزيد من السيطرة والتفوق في المنطقة، فالمليارات تضخ للترويج لها، وعلاقتها بصفقة القرن ويعتقد أن العرب، مسلمين ومسيحيين يرون في الإبراهيمية باعتبارها من سياسة الولايات المتحدة وليست من الأديان.
أخيراً يرى الكاتب أن الصهيونية المسيحية هي المؤسس الفعلي لإسرائيل، وقد سبقت الصهيونية اليهودية بقرون، فقد نشأت الصهيونية المسيحية في القرن السادس عشر من رحم المسيحية الغربية الكاثوليكية، بدأت بكتاب مارتن لوثر «كون المسيح ولد يهودياً» غيرت النظرة إلى اليهود من كونهم قتلة الرب و»أبناء الأفاعي» وصالبي المسيح إلى أن المسيح كان يهودياً واليهود هم إخوة الرب وأبناء عمومته.
عموماً ومن قراءة غالبية فصول الكتاب، يمكن الاستنتاج بأن المؤلف يرى بأن علاقة الغرب بالحضارة العربية الإسلامية علاقة عدائية مستمرة وأن التعايش بينهما هو تعايش المضطر، بمعنى أنها عداء دائم وتعايش المضطر معاً.