د. حسام باسم حداد : فلسفة السياحة الدامجة
تُعرّف الأدبيات الأكاديمية المعاصرة للسياحة المستدامة، وتحديداً وفق النموذج الرائد الذي طوّره الباحث الأسترالي سايمون دارسي في السياحة الدامجة (Inclusive Tourism)بأنها النموذج التنموي الهيكلي القائم على إزالة كافة الحواجز المادية والاجتماعية لتمكين جميع الأفراد من خوض التجربة السياحية باستقلالية وكرامة تامة. ومن هذا المنطلق الأكاديمي يمتد المفهوم ليشمل مظلة تنموية متكاملة لا تقتصر على جهة دون أخرى، بل تتعداها لتشمل عدالة الوصول والمشاركة لكافة شرائح المجتمع، بما في ذلك ذوو الهمم، والنساء، وكبار السن، والأطفال والشباب أصحاب المواهب، محولاً بذلك التنوع الإنساني إلى قيمة مضافة تثري الوعي المجتمعي وتبني جسوراً من التفاعل الحضاري المستدام الذي يتجاوز الأطر التقليدية للضيافة والتنقل، ويعزز من قيم المساواة الإنسانية كركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة.
إن هذا الفهم العلمي الواسع يفتح الباب أمام عوائد اقتصادية حقيقية تتسق مع رؤية التحديث الاقتصادي، إذ تنعكس هذه الشمولية في جذب شرائح واسعة من الزوار الذين يسافرون غالباً برفقة عائلاتهم ومرافقيهم، ما ينعكس مباشرة على زيادة الإنفاق السياحي وإطالة أمد الإقامة، ليمتد الأثر المالي التراكمي إلى مجمل قطاعات السياحة وخدماتها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه ليشمل رافعة تنموية غير مسبوقة عبر استثمار طاقات الأجيال الناشئة والمواهب الشابة، فاستقطاب فعاليات كبرى ومسابقات ثقافية ورياضية ومعرفية سيحول الوجهة الأردن إلى قطب عائلي جاذب يحقق عوائد مالية متنامية طوال العام، ويحمي الأجيال من الشرذمة والضياع مانحاً الاقتصاد الوطني مرونة أكبر وتنوعاً في مصادر الدخل القومي بعيداً عن الموسمية المعهودة، ومكرساً مكانة للأردن كوجهة عصرية متكاملة تلبي تطلعات الزوار بمختلف اهتماماتهم وأعمارهم.سياحة الأردن
وفي قلب هذه المنظومة الأكاديمية والتنموية، تحتل المرأة ركيزة جوهرية لا غنى عنها، فهي ليست مجرد مستفيد بل هي المحرك الرئيس لقرار السفر العائلي والشريك الأساسي في مشاريع الضيافة الريفية والصناعات الثقافية والحرفية التي تمنح التجربة السياحية عمقاً اقتصادياً واجتماعياً أصيلاً يعزز تنمية المحافظات والمجتمعات المحلية ويخلق فرص عمل مستدامة. وحين تتكامل هذه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية مع تطوير البنى التحتية وتهيئة المواقع السياحية لذوي الهمم وفق أحدث المعايير الهندسية المدعومة بتفعيل الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص والاستثمار في التكنولوجيا الرقمية المساندة لمنصات الحجز والخرائط التفاعلية المتاحة، بالتوازي مع البرامج التدريبية المتقدمة لتأهيل الكوادر البشرية بالتعاون مع المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والجهات المعنية، فإننا ننتقل بصدق من التنظير إلى الفعل المؤسسي المستدام الذي يترك أثراً حقيقياً وملموساً على أرض الواقع.برأيي، إنَّ السياحة الدامجة ليست مساعدة إنسانية ولا ترفاً خدمياً، بل هي استثمار سيادي علمي يثبت أن المكان القادر على استيعاب الجميع بكرامة واستقلالية من ذوي الهمم، والنساء، والمواهب الشابة، هو الأجدر بالريادة والثبات على خريطة السياحة العالمية، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل تنموي مستدام للأجيال القادمة، وترسيخ صورة ذهنية مشرقة تعكس حضارة الأردن وانفتاحه الإنساني والاقتصادي الواعي.سياحة الأردن
Dr.hhaddad@outlook.com
ــ الراي