د. نوال محمد نصير : جلالة الملك: لا رفاهية للوقت في اقتصادنا
بقلم الدكتورة نوال محمد نصير
حينما نتحدث فيها عن الاقتصاد نذهب مباشرة الى الارقام، النمو والدين والاستثمار والبطالة والاسعار، وهي كلها امور مهمة بلا شك لكن هناك رقما اخر لا يظهر كثيرا في التقارير الاقتصادية رغم انه يؤثر في كل هذه الارقام وهو الوقت.
الوقت الذي تحتاجه معاملة حتى تنجز، الوقت الذي يضيع بين مكتب واخر، الوقت الذي تحتاجه المؤسسة حتى تتخذ قرارا ، والوقت الذي يفصل بين ظهور المشكلة والبدء في التعامل معها.
ولهذا استوقفني قول جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش إننا اليوم لا نملك رفاهية الوقت ولا مجال للتراخي، لم تكن العبارة مجرد حديث عن سرعة العمل بل تحمل في مضمونها رسالة ادارية واقتصادية واضحة، فالمرحلة التي يعيشها الاردن والمنطقة لا تسمح بأن تبقى بعض القرارات تنتظر طويلا ولا بأن تتعامل المؤسسات مع المتغيرات بعقلية اليوم العادي.
فالازمات لا تنتظر اكتمال الملفات ولا تعرف المواعيد الادارية التقليدية.
في الاقتصاد تحديدا قد يكون التأخير قرارا غير معلن، المستثمر الذي ينتظر طويلا للحصول على الموافقة قد يعيد حساباته، المواطن الذي ينتظر خدمة بسيطة قد يفقد ثقته بالمؤسسة، وصاحب المشروع الذي تتأخر معاملته قد يؤجل التوسع والتوظيف، وحتى داخل المؤسسة نفسها فإن القرار المتأخر قد يكلف اكثر من القرار الخاطئ الذي يمكن تصحيحه في الوقت المناسب.
وهنا تظهر العلاقة الحقيقية بين الادارة والاقتصاد.
قد نتحدث كثيرا عن جذب الاستثمار وعن تحسين بيئة الاعمال وعن دعم القطاع الخاص لكن المستثمر في النهاية لا يتعامل مع الشعارات بل مع مؤسسة امامه، يسأل كم يحتاج القرار من وقت؟ كم اجراء عليه ان يمر به؟ وهل يستطيع ان يحصل على اجابة واضحة عندما يواجه مشكلة؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في مجموعها صورة الاقتصاد.
والاردن قطع خطوات في مسار التحديث الاقتصادي والاداري. والبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026-2029 يتضمن مشاريع واجراءات تستهدف النمو والاستثمار وتحسين الخدمات ورفع تنافسية الاقتصاد، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود الخطط بل في قدرتنا على تحويلها الى نتائج يلمسها المواطن وصاحب العمل والمستثمر.
وهنا ربما نحتاج الى تغيير طريقة تفكيرنا في ادارة الازمات.
ادارة الازمة لا تبدأ عندما تقع الازمة، الادارة الناجحة تبدأ قبلها. تسأل ماذا لو حدث؟ وماذا نملك من بدائل؟ ومن يتخذ القرار؟ وكيف نحافظ على السلع والخدمات؟ وكيف نحمي القطاعات الاقتصادية من التوقف؟
وقد شاهدنا في الاردن اهمية هذا النوع من الاستعداد في التعامل مع التطورات الاقليمية . فالاستعداد للطوارئ ووضع خطط استجابة سريعة وضمان توافر السلع الاساسية وسلاسل الامداد واحتياجات الطاقة والمواد الاولية كلها امور ترتبط مباشرة باستقرار حياة الناس والاقتصاد.
هذه ليست تفاصيل فنية بعيدة عن حياة الناس، عندما تكون السلع موجودة في الاسواق والخدمات مستمرة وسلاسل التوريد قادرة على العمل فإن المواطن يشعر بالاستقرار حتى في اصعب الظروف.
وهذا هو المعنى الحقيقي لاقتصاد قادر على الصمود.
وأنا اعتقد ان اكبر ما تحتاجه مؤسساتنا اليوم ليس المزيد من التعقيد بل المزيد من الوضوح، الموظف يحتاج الى صلاحيات واضحة، والمسؤول يحتاج الى قرار واضح، والمواطن يحتاج الى معلومة واضحة، والمؤسسة تحتاج الى قياس حقيقي للوقت الذي تستغرقه معاملاتها وخدماته، فليس من المنطقي ان نتحدث عن التحول الرقمي بينما تبقى بعض الاجراءات في جوهرها كما كانت قبل سنوات.
التحديث ليس ان نضع خدمة على موقع الكتروني فقط، التحديث الحقيقي ان تصبح الخدمة اسرع واسهل واكثر عدالة، وان يعرف المواطن من المسؤول عنها ومتى تنجز وما الذي يحتاجه منه بالضبط.
وفي رأيي ان واحدة من اهم المعارك الاقتصادية القادمة هي معركة الوقت.
علينا ان نسأل في كل مؤسسة حكومية وخاصة كم من الوقت نخسره بسبب اجراء يمكن اختصاره؟ وكم من قرار يتأخر بسبب تعدد الموافقات؟ وكم من فرصة عمل يمكن ان تبدأ لو اصبح القرار اسرع؟ وكم من مشروع يمكن ان يتوسع لو وجد بيئة ادارية اكثر مرونة؟
هذه الاسئلة تبدو ادارية لكنها في حقيقتها اقتصادية.
فالاقتصاد لا ينمو فقط عندما نبني مصنعا او نفتح شركة جديدة، الاقتصاد ينمو ايضا عندما نختصر اسبوعا من اجراءات مشروع. وعندما نحل مشكلة مستثمر قبل ان تتحول الى سبب لخروجه، وعندما نحسن خدمة حكومية توفر على آلاف المواطنين ساعات من الانتظار، وعندما يصبح الموظف قادرا على انجاز عمله بدلا من ان يقضي جزءا كبيرا من وقته في البحث عن توقيع او مخاطبة جديدة.
ولهذا فان تطوير القطاع العام ليس ملفا اداريا منفصلا عن الاقتصاد. هو جزء من الاقتصاد نفسه.
صحيح ان الاردن يعمل في ظروف اقليمية صعبة وان اقتصادنا يتأثر بما يحدث من حولنا، لكن هذه الظروف تجعل الحاجة اكبر الى ادارة اكثر تنظيما واكثر سرعة في اتخاذ القرار.
الدول لا تستطيع اختيار الازمات التي تأتيها لكنها تستطيع ان تختار كيف تستعد لها.
وهنا تعود عبارة جلالة الملك الى معناها الاوسع: لا نملك رفاهية الوقت.
فالوقت الذي نضيعه اليوم قد يصبح كلفة غدا. والقرار الذي يتأخر قد تتحول كلفته الى فرصة ضائعة. والاجراء الذي يبدو صغيرا في نظر المؤسسة قد يكون كبيرا في نظر المواطن او المستثمر.
نحن بحاجة الى ادارة ترى الازمة قبل وقوعها والفرصة قبل ضياعها والمشكلة قبل ان تكبر، ادارة لا تقيس نجاحها بعدد الكتب التي صدرت والمخاطبات التي ارسلت والاجتماعات التي عقدت بل بعدد المشكلات التي حلت والفرص التي صنعت والخدمات التي تحسنت.
في النهاية الاقتصاد ليس ارقاما فقط.
الاقتصاد انسان ينتظر خدمة، وشاب ينتظر فرصة عمل. ومستثمر ينتظر قرارا، ومؤسسة تحاول ان تستمر في ظروف صعبة، وموظف يريد ان ينجز عمله بصورة صحيحة.
ولهذا ربما يكون السؤال الاهم في المرحلة المقبلة ليس فقط كم نملك من المال او كم حققنا من نمو.
السؤال هو كم نستخدم من وقتنا بصورة صحيحة؟
ففي زمن الازمات لا يكفي ان نعمل اكثر.
المطلوب ان نعمل اسرع واوضح واكثر كفاءة.
وعندما تصبح قيمة الوقت جزءا من ثقافة الادارة والاقتصاد عندها فقط يمكن ان نقول ان التحديث بدأ يصل فعلا الى حياة الناس.