اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الشقران : التطرف الإسرائيلي ينتج سيناريوهات الانفجار في الضفة

د. خالد الشقران : التطرف الإسرائيلي ينتج سيناريوهات الانفجار في الضفة
أخبارنا :  

يكشف تصاعد الحديث الإسرائيلي عن سيناريو «قلب الفوهات» في الضفة الغربية عن مستوى جديد من التطرف في التفكير السياسي والأمني، حيث يجري التعامل مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية باعتبارها احتمالا لتهديد مستقبلي، وليس باعتبارها جزءا من منظومة أمنية وسياسية قائمة، ويقوم السيناريو على افتراض تحول أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مواجهة جيش الاحتلال والمستوطنين، واستخدام السلاح الموجود لديهم في حال حدوث انهيار في الترتيبات القائمة، ورغم أن هذا الاحتمال ما يزال في إطار التقديرات الأمنية، فإن طرحه بهذه الصورة يعكس طبيعة البيئة السياسية والفكر المتطرف الذي أنتجه.

التطرف هنا لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، وإنما في طريقة تعريف مصادر الخطر وإعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق فرضيات أمنية قصوى، فبدلا من معالجة جذور التوتر في الضفة والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها إقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، تتجه قوى سياسية إسرائيلية متطرفة إلى طرح تقويض السلطة الفلسطينية وإضعاف مؤسساتها وجمع السلاح وتوسيع العمليات العسكرية باعتبارها أدوات للتعامل مع المخاطر، ومع استمرار هذا النهج، تتحول السلطة نفسها التي يجري تقديم وجودها المؤسسي باعتباره مقدمة محتملة لقيام الدولة من طرف مؤهل يمكن التعامل معه إلى هدف سياسي وأمني.


هذه الرؤية تفسر تصاعد الحديث عن «قلب الفوهات» باعتباره سيناريوهاً يستحق الاستعداد العسكري، حيث تحدثت تقارير إسرائيلية عن خطط عملياتية للتعامل مع احتمال انهيار الترتيبات الأمنية في الضفة، وهو ما يعكس اتساع دائرة المخاوف داخل المؤسسة العسكرية، لكن وجود خطة للتعامل مع احتمال أمني لا يعني وجود معلومات تؤكد أن أجهزة الأمن الفلسطينية تستعد لتنفيذ هذا السيناريو الخيالي، والفصل بين الأمرين ضروري حتى لا تتحول الفرضية الأمنية إلى حقيقة سياسية تُستخدم لتبرير مزيد من التصعيد والقمع ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته.


المفارقة أن التطرف الذي ينتج هذه الفرضيات قد يسهم في خلق البيئة التي يخشاها أصحابها، فعندما تتجه السياسات نحو إضعاف السلطة، والضغط على مؤسساتها، وتقييد الحركة، وتوسيع العمليات العسكرية، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، فإن النتيجة ستكون بالتأكيد زيادة الاحتقان وإضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على ضبط الشارع، ومع تراجع هذه القدرة، يتسع الفراغ الأمني وتزداد فرص المواجهة، بما يجعل السيناريوهات التي يجري التحذير منها أكثر قابلية للظهور.


وتكمن الخطورة في أن الضفة الغربية بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المدن والقرى والمستوطنات والطرق والحواجز والمناطق العسكرية، فيما تمتلك الأجهزة الأمنية الفلسطينية عناصر مدربة وخبرة ميدانية وسلاحا مرتبطا بمهامها الأمنية، وأي انهيار واسع في العلاقة القائمة قد ينقل المشهد من حالة الاحتكاك المحدود إلى مواجهة ذات طبيعة مختلفة، خصوصا إذا تزامن ذلك مع الاستمرار في توسيع الاعتداءات العسكرية وجرائم المستوطنين أو وقوع أحداث دامية ضد الفلسطينيين قد تتسبب في إشعال الشارع.


في المحصلة، يمثل «قلب الفوهات» انعكاسا لبيئة سياسية يزداد فيها حضور وتأثير التطرف الإسرائيلي، وتضيق فيها مساحة التعامل السياسي العقلاني والواقعي مع القضية الفلسطينية، وكلما اتجهت السياسات نحو تقويض السلطة وإضعاف مؤسساتها، ارتفعت احتمالات الفوضى التي تدعي إسرائيل إنها تخشاها، وهنا تكمن المفارقة الأخطر، إذ قد يتحول التطرف الذي ينتج الخوف من الانفجار إلى أحد العوامل التي تدفع باتجاهه، لتصبح الضفة أمام دائرة من التصعيد تبدأ بفكرة متطرفة وغير واقعية وتنتهي بأزمة يصعب احتواؤها.

ــ الراي

مواضيع قد تهمك