اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : المهارات الناعمة.. من المهارة إلى الضرورة

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : المهارات الناعمة.. من المهارة إلى الضرورة
أخبارنا :  

لو طلب منك أن ترسم في ذهنك صورة لخريج تكنولوجيا المعلومات، فربما تتخيله أمام شاشة ، يتعامل مع الخوارزميات بلغة تبدو غامضة لغير المتخصصين، ويحل مشكلات تقنية تحتاج إلى عقل شديد الدقة. لكن سوق العمل يرسم صورة أكثر تعقيدًا.

في تقرير تحليل فجوة العرض والطلب للمهارات الرقمية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن 2025، بإشراف من جمعية المهارات الرقمية (DigiSkills)، يكشف مفارقة تستحق التوقف: المهارات التقنية لدى الخريجين حصلت على (3.5 من 5)، بينما لم تتجاوز المهارات الناعمة والعقلية المهنية (2 من 5).سياحة الأردن


فالتقرير يشير إلى فجوات في التواصل والعمل الجماعي والقدرة على التكيف وحل المشكلات، ويذكر أن 77% من أصحاب العمل أفادوا بأن الخريجين غالبًا ما يقصرون في هذه الجوانب. وفي الوقت نفسه، يوضح التقرير أن الخريجين يمتلكون أساسًا تقنيًا قويًا نسبيًا، وأن التحدي لا يرتبط بجودة المواهب التقنية وحدها، التحدي في الأنظمة والبيئة المحيطة بها.


في بيئة العمل، لا يعمل المبرمج أمام الشاشة وحده. عليه أن يفهم ما يريده العميل، وأن يشرح فكرته لزميل من تخصص آخر، وأن يتعامل مع الملاحظات، ويتفاوض على موعد التسليم، ويجد حلًا عندما تتعارض الرؤية التقنية مع متطلبات المستخدم. التكنولوجيا لا تعمل في فراغ؛ يعمل بها بشر ولأجل بشر.


لهذا أصبحت مهارات التواصل والعمل الجماعي والمرونة وحل المشكلات، جزءًا من الكفاءة المهنية في الوظائف الرقمية. فالمعرفة التقنية قد تفتح باب الوظيفة، لكن القدرة على استخدامها داخل فريق ومؤسسة وسوق هي التي تحدد قيمة هذه المعرفة.


ومن زاوية علم النفس، هذه المهارات ليست صفات ثابتة تولد مع الإنسان ، هي قدرات يمكن تنميتها بالممارسة. حيث الوعي بالذات يساعد العامل في المجال التقني على معرفة نقاط قوته وحدوده، و تعين إدارة الذات على التعامل مع الضغط والنقد وتغير المتطلبات، بينما يتيح الوعي الاجتماعي فهم احتياجات العملاء والزملاء، وتساعد إدارة العلاقات في حل المشكلات والعمل ضمن فريق.


واللافت أن التقرير لا يقترح معالجة المشكلة من بوابة التعليم وحده؛ إذ يقدم 29 إجراءً موزعة على ثلاثة محاور: إصلاح التعليم والتدريب، وتنشيط سوق العمل، وتطوير البيئة الممكنة للقطاع. ومن بين الإجراءات المقترحة إدماج المهارات الناعمة، وتوسيع التدريب العملي، وتعزيز فرص التدريب والعمل، إلى جانب تطوير البيئة الداعمة للقطاع الرقمي.


وهنا تصبح المهارات الناعمة أكثر من مادة إضافية في برنامج جامعي أو دورة تدريبية. إنها القدرة التي تسمح للخريج بأن يصغي، ويتفاوض، ويتعاون، ويتقبل النقد، ويتعامل مع مشكلة لا يوجد لها حل جاهز في كتاب.


فالمسألة لا تتعلق بإنتاج خريج أقل تقنية، وإنما بخريج أوسع قدرة على استخدام التقنية. فالكود جزء من العمل، لكن التواصل مع الإنسان الذي طلب الكود، والعمل مع الفريق الذي سيطوره، وحل المشكلات التي تظهر أثناء تنفيذه، كلها جزء من الوظيفة نفسها.


وربما هنا تكمن الرسالة الأهم في التقرير: امتلاك المهارة التقنية لا يعني بالضرورة امتلاك الجاهزية المهنية.




مواضيع قد تهمك