د. محمد حيدر محيلان : المدّ الصيني قادم: هل يصبح العرب شركاء في الصناعة أم مجرد أسواق؟.
لا تتقدم الصين نحو العالم بالجيوش، بل بالمصانع والحاويات والموانئ والتقنية. ولم تعد مجرد منتج للسلع الرخيصة؛ فقد أصبحت قوة متقدمة في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والاتصالات والذكاء الاصطناعي. ولذلك، فالمدّ الصيني ليس خطرًا ينبغي صده، ولا فرصة تُستقبل بلا شروط، بل تحول اقتصادي كبير يجب أن يُدار بعقل استراتيجي.
تحتاج الصين إلى الطاقة والأسواق والمواقع اللوجستية، بينما يحتاج العرب إلى الاستثمار والتقنية والصناعة. ويبدو هذا التكامل أساسًا لشراكة متوازنة، خصوصًا بعدما بلغ التبادل التجاري الصيني–العربي نحو 242 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025. لكن حجم التجارة لا يكشف وحده طبيعة العلاقة؛ فقد تتسع المبادلات، بينما يبقى العرب مصدرين للمواد الخام ومستوردين للمنتجات والتقنيات.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: ماذا يترك الاستثمار الصيني داخل الاقتصاد العربي؟.
ليس كل مصنع دليلًا على التصنيع؛ فقد يكون مجرد خط لتجميع مكونات مستوردة، يعتمد على تقنية وعمالة وموردين من الخارج، ثم يحوّل معظم أرباحه بعيدًا. أما الاستثمار المنتج، فهو الذي يُنشئ سلسلة توريد محلية، ويوفر وظائف نوعية، وينقل المعرفة، ويزيد الصادرات، ويربط الجامعات ومراكز البحث بالصناعة.
لذلك، تحتاج الدول العربية إلى الانتقال من سياسة «جذب الاستثمار بأي ثمن» إلى قاعدة «السوق مقابل التقنية». فمن يمنح المستثمر سوقًا وإعفاءات وأرضًا وبنية تحتية، يحق له أن يطلب قيمة وطنية مقابلة. ويجب قياس هذه القيمة بأربعة مؤشرات معلنة: نسبة المحتوى المحلي، وعدد الوظائف النوعية، وحجم الصادرات، والإنفاق على البحث والتطوير.
كما ينبغي ربط الحوافز بنتائج الاستثمار؛ فتزداد الإعفاءات كلما ارتفعت نسبة التصنيع المحلي ونقل المعرفة، وتتراجع عندما يتحول المشروع إلى منفذ للاستيراد أو التجميع فقط. ولا يعني ذلك إغلاق الأسواق أمام الصين، بل حماية المنافسة العادلة والقطاعات الاستراتيجية، مثل الغذاء والدواء والطاقة والتقنيات الحساسة، من الإغراق أو التبعية.
تحتاج الدول العربية أيضًا إلى حد أدنى من التنسيق؛ حتى لا تتنافس فيما بينها على تقديم أراضٍ وإعفاءات أكبر مقابل قيمة محلية أقل. كما أن تنويع الشراكات مع الصين والغرب والهند وغيرها يظل ضمانة للاستقلال الاقتصادي، وليس استبدال تبعية قديمة بأخرى جديدة.
الصين تعرف ماذا تريد، وتفاوض وفق مصالحها، وهذا حقها. أما الخلل فليس في قوة المشروع الصيني، بل في غياب مشروع عربي مقابل. فإذا تعامل العرب معها كمشترين متفرقين، أصبحوا أسواقًا لبضائعها؛ وإذا فاوضوها بما يملكون من طاقة ومواقع وأسواق، جعلوا من صعودها طريقًا إلى صناعتهم.
فالمدّ الصيني قادم، لكن أثره في بلادنا تحدده الشروط التي نضعها نحن. فإما أن نستقبله برؤية تجعل من الصين شريكًا في تنميتنا، وإما أن نتركه يفرض علينا واقعًا يجعلنا مستهلكين لما تنتجه ومورّدين لما تحتاج إليه؛ فتربح الصين أسواقنا، ونخسر نحن فرصة التصنيع، ونخرج من المولد بلا حمص!!.
ــ الدستور