اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : الصراع مع إسرائيل سياسي وليس دينياً (1)

د. خالد الحريرات البطوش : الصراع مع إسرائيل سياسي وليس دينياً (1)
أخبارنا :  

من أعلى منصة دولية يجهر جلالة الملك بصوت الحق في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، ويكشف ممارسات الاحتلال الاسرائيلي المارقة، ويعيد تسليط الضوء على الظلم التاريخي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وفي الخطاب الذي يكتنز بالمضامين العميقة يضع الملك العالم امام الخطر الذي تشكله اسرائيل على مستقبل المنطقة في الشرق الاوسط بجرأة وشجاعة وبنبرة حادة تعكس المرارة التي يشعر بها سكان هذا الجزء من العالم.

يمضي التضليل الاسرائيلي الى تصوير الصراع مع اصحاب الحق بأنه حرب دينية، وان الاسلام يقف فيها على صعيد في مواجهة اليهود والمسيحيين على الصعيد المقابل، والملك اذ يدرك تأثير هذه الحيلة في الرأي العام الغربي فقد تصدى في خطابه الأممي للخداع المتعمد في التكييف الاسرائيلي لطبيعة الصراع مؤكدا ان الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين هم ضحايا للتمييز العنصري الاسرائيلي، وانهم يناضلون من اجل نيل حقوقهم التي تتنكر لها سلطات الاحتلال وتعمل على خلق واقع يطمس وجودها.

تاريخيا، في بازل عام 1897 تجنّب المجتمعون لتأسيس الحركة الصهيونية الاشارة الدينية، وفي عام 1917 صدر وعد بلفور مكثفا برؤية سياسية لوطن قومي لليهود في فلسطين دون ربط ديني واضح، لكن علمانية التأسيس والمؤسسين لا يمكن ان تخفي الأرث التوراتي في الخلفية المغرقة بوهم الوعد الالهي، ولاحقا اثبتت الطغمة التي حكمت اسرائيل منذ بن غوريون والى الان استمراء ليّ عنق النصوص الدينية لتناسب مقاس الاطماع الاسرائيلية، ويظهر الان ان تلك الاطماع لا تكتفي بالحدود التي كانت في ذهن بلفور عندما اراد صرف الهجرة اليهودية من شرق اوروبا بعيدا عن غربها وتوجيهها بدلا من هناك الى فلسطين.

تأسيس دولة على نص ديني كإشعال نار وسط الهشيم، قد تخرج عن السيطرة وتتجاوز الغرض الذي اشعلت من أجله، عندها تنقلب شعلة الاستعمال الى حريق ويتحول الدفء الى جحيم، لأن النص الديني غيبي العناصر ومفتوح على التأويل، ومن يحتكر تفسيره هم رجال الكهنوت ولا يمكن ترك تطبيق النص تحت رحمة اهوائهم، بينما يستند النص الوضعي الى عناصر واقعية محددة بتعابير عصرية مفهومة للجميع، و سواء كان هذا النص قانونا او دستورا او اتفاقية فأنه لا يمكن لطرف احتكار تفسيره، ومنذ معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر صار التأسيس الديني لدولة لا يتفق مع نشأة فكرة الدولة القومية الحديثة التي انهت معاناة اوروبا مع سيطرة الدين على سلطة الدولة، ووضعت نهاية لوهم التفويض الالهي في الحكم، ولعل هذا ما دفع هرتزل ومن معه الى تجنب ذكر الوعد الالهي عند تأسيس الحركة الصهيونية.

حاليا، لا يميل كثيرون الى التمييز بين اليسار واليمين الاسرائيلي في الحكم، ولا يفرقون بين العلمانيين والمتدينين في انتهاك حقوق الفلسطينين، ولكن متابعة فاحصة تكشف استياء يساريا من تواصل حكم اليمين في اسرائيل، فقد كشفت صحيفة هآرتس الاسرائيلية قبل عشر سنوات عن وجود هجرة للعلمانيين اليهود من اسرائيل، حينها ربطها الصحفي أوري مسجاف بتصاعد التطرف القوموي واليميني الى جانب انتهاكات تمس الديمقرطية وسيادة القانون وحقوق الاقليات، وانتقد اتجاه اسرائيل نحو ذات المساحة التي تسخر فيها من جيرانها لغياب الديمقراطية، في حين يقلل اخرون في اسرائيل من أهمية ذلك، ويرون ان العلمانية انتهت مهمتها، ويمكن للمتدينين تولي السلطات التي كانت حكرا على العلمانيين في ادارة الدولة والجيش، واليوم تتأكد هذه الحقيقة أمام ناظرينا، وهذا يقودنا في العالم العربي الى الحذر من فخ الاستدراج الاسرئيلي الى خلع الطابع الديني بدلا من السياسي على الصراع، وعلى اليمين العربي عدم الانزلاق الى تلك المصيدة.


مواضيع قد تهمك