نيفين عبد الهادي : الملك.. صوت الحق في مرحلة مفصلية
حين ينتصر جلالة الملك عبد الله الثاني لفلسطين، وينتزع حضور الحق الفلسطيني على منبر الأمم المتحدة، بعد محاولة تغييبه، من بعض الدول، ويصدح بمطالبات لم يجرؤ على طرحها زعيم أو قائد أو مسؤول أمام العالم بضرورة إحقاق الحق الفلسطيني، ومنح الفلسطينيين حقوقهم الشرعية وفقا للقانون الدولي، ومنع إسرائيل من الاستمرار بجرائمها تجاه الشعب الفلسطيني، حين يتحدث جلالته بشجاعة القول وجرأة الموقف يقف العالم احتراما وتقديرا وثقة بأن حديث جلالته ومواقفه هي جوهر الحقيقة، وأساس الحق.
خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني، أمس الأول، في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين المنعقدة بنيويورك، ليس خطابا عاديا يُمكن أن يقرأ قراءة واحدة، إنما هو خارطة طريق سياسية لليوم وللغد، بعمق تاريخي، خطاب يصعب وصفه أو اختصاره بكلمات، ويصعب حتى تحليله بشكل سريع، فهو حالة سياسية وأمنية عميقة، وثرية، في الأخذ بها، تتحقق رؤى واضحة وعملية لتحقيق الأفضل فلسطينيا وإقليميا وحتى دوليا، واضعا جلالته أمام المجتمع الدولي الأدوات التي يجب أن يتم الضغط بها على إسرائيل لردعها، وهي بالمناسبة سابقة سياسية أن يتم طرح هذا الأمر على منبر الأمم المتحدة، لتشكّل هذه المطالبات التي ترافقها تحذيرات من ترك إسرائيل على ما تقوم به من تعسف وانتهاكات، تشكّل صيغة حاسمة لوقف دوامة التصعيد.
وفي لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وجّه جلالة الملك عين العالم بأسره لصوت جلالته وخطابه الذي تجاوز حدود المشاركة العادية، ليشكّل تعبيرا واضحا عن حقيقة الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، ومستقبل المنطقة، واضعا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، بضرورة تطبيق القانون والقرارات على إسرائيل، والضغط عليها لوقف ما تقوم به استمرارا لحرب غزة، وضم أراضي الضفة الغربية وفصل الضفة عن غزة، واعتداءات المستوطنين على المقدسات، برفض من جلالته لما تسعى لتصويره الحكومة الإسرائيلية بأن الصراع حرب أديان، الإسلام في جهة، واليهودية والمسيحية في الجهة المقابلة، وتأكيد على أن الأردن مستمر في حمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وشدد جلالته على ضرورة تطبيق القانون والقرارات لا أن تبقى حبرا على ورق!!!
وفي حسم ملكي حازم، أكد جلالته أن أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي، بتأكيد من جلالته «سنحمي أمننا ومياهنا ومصالح شعبنا»، في رد واضح للاعتداءات الإسرائيلية والعبث بمصادر المياه، معتبرا جلالته ذلك تهديدا للأمن القومي الأردني، والاردن لن يقف مكتوف الأيدي حياله، وبتأكيد على أنه «لا ينبغي لأحد اعتبار تمسك الأردن بالدبلوماسية أمرا مسلّما به أو إساءة تقديره على أنه ضعف»، موجها بذلك رسالة حازمة واضحة، بغضبة الملك الذي لن يرضى ولن يقبل المساس بأمن بلاده ومصالح شعبه.
خطاب يحتاج آلاف القراءات، والوقوف على كل حرف وكلمة به، ففيها رسالة عميقة وعظيمة، وموقف لم تشهده منابر الأمم المتحدة على مدى تاريخها، وتحذيرات لم تسمعها إسرائيل يوما، لكنه الملك الذي أصرّ على إيصال صوت فلسطين للعالم بكل وضوح، ومطالبات لم تشهدها من قبل المحافل الدولية عامة، سيما وأن جلالته أكد أنه طالما حذر من «مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدلا من التصدي لحله»، توصيف حقيقي ودقيق لما يدور في المشهد، ليتبع ذلك بما يجب أن يتم حيال الانتهاكات الإسرائيلية، لمنعها من الاستمرار بسياساتها التي وصلت حدّ جرائم الحرب في حديث جلالته عن «التهجير».
خطاب ملكي هو الأكثر وضوحا وحسما، وحدة تجاه إسرائيل، أمام زعماء وقادة العالم، بصوت شامخ ولغة جسد حملت آلاف الرسائل عن غضبة جلالته، وتأثره ورفضه لما تشهده المنطقة والعالم نتيجة صراع ترفض إسرائيل تهدئته، وترفض مدّ يدها للسلام الذي قدمته لها الدول العربية منذ عام 2002، بإصرار ملكي لضرورة وجود موقف دولي يوقف إسرائيل عما تقوم به، بقول واضح ألا يكتفي المجتمع الدولي بإصدار قرارات وألا يتعامل مع ما يحدث بأنه مؤقت، أو أنه أحداث منفصلة.