اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

خلدون عتمة : إنقاذ مهرجان جرش يبدأ من استقلال قراره يا دولة الرئيس

خلدون عتمة : إنقاذ مهرجان جرش يبدأ من استقلال قراره يا دولة الرئيس
أخبارنا :  

في المقال السابق، تحدثنا عن حالة التراجع التي أصابت مهرجان جرش للثقافة والفنون، وعن البيروقراطية التي أثقلت خطواته وأبعدته عن مكانته التي صنعها منذ انطلاقته عام 1983. واليوم لا نريد أن نكرر تشخيص الأزمة، بل نريد الانتقال إلى السؤال الأهم: كيف يمكن إنقاذ مهرجان جرش وإعادة الهيبة إلى واحد من أبرز المنجزات الثقافية الوطنية في الأردن؟


إن إنقاذ المهرجان لا يتحقق بتغيير اسم مدير واستبداله بآخر، ولا بتشكيل لجنة جديدة تضاف إلى اللجان السابقة، ولا بإطلاق تصريحات موسمية تبدأ قبل الافتتاح وتنتهي بانطفاء أضواء المسارح. ما يحتاجه مهرجان جرش هو قرار سياسي وإداري واضح يعيد بناء المؤسسة نفسها، ويمنحها الاستقلال والاستقرار والقدرة على التخطيط بعيدًا عن الاجتهادات الفردية وتبدّل الوزراء والمسؤولين.


يا دولة الرئيس جعفر حسان،


مهرجان جرش ليس مديرًا يُعيَّن، ولا برنامجًا فنيًا يُنجز في أسابيع، ولا حفلات غنائية تُحجز مقاعدها ثم تُطوى صفحتها. إنه مؤسسة وطنية ذات تاريخ وهوية وسمعة عربية ودولية. ولذلك يجب أن تُدار وفق رؤية تمتد لعدة سنوات، لا وفق خطة مؤقتة تبدأ مع اقتراب الصيف.


أولى خطوات الإنقاذ أن يتحول المهرجان إلى مؤسسة ثقافية وطنية مستقلة، لها مجلس أمناء يضم أصحاب الخبرة والكفاءة في الثقافة والفنون والإدارة والإعلام والاقتصاد والسياحة. مجلس لا يقوم على المحاصصة أو المجاملة أو تدوير الأسماء، بل على القدرة الحقيقية على حماية هوية المهرجان وصناعة مستقبله.


أما إدارة المهرجان، فيجب أن تُسند من خلال أسس واضحة وشفافة، وأن يكون اختيار المدير قائمًا على مشروع مكتوب ورؤية قابلة للقياس والتنفيذ. فإدارة مهرجان بهذا الحجم ليست وظيفة إدارية عادية، وإنما مسؤولية ثقافية وفنية واقتصادية وإعلامية تحتاج إلى شخصية تمتلك المعرفة والخبرة والعلاقات والقدرة على اتخاذ القرار.


ليس المطلوب مديرًا ينظم جدول الحفلات فقط، بل قيادة تستطيع إعادة مهرجان جرش إلى خارطة المهرجانات العربية والدولية، وفتح أبوابه أمام المسرح والموسيقى والشعر والفنون التشكيلية والندوات الفكرية والفرق الشعبية العالمية، وصناعة شراكات ثقافية مع الدول والمؤسسات والمهرجانات الكبرى.


ويجب أن يبدأ الإعداد لكل دورة فور انتهاء الدورة السابقة، وأن تعمل إدارة المهرجان طوال العام، لا أن تتحرك قبل موعد الافتتاح بأشهر قليلة. فالمهرجانات الكبرى لا تُصنع على عجل، ولا تُبنى برامجها تحت ضغط الوقت، ولا تُختار عروضها بالاتصالات والمجاملات. إنها تحتاج إلى بحث وتفاوض وتخطيط وتسويق وإنتاج يمتد لأشهر طويلة.


كما أن استعادة الهوية الثقافية للمهرجان تتطلب إعادة الاعتبار للفنان والمبدع الأردني. وليس المقصود أن تكون مشاركته مجرد استكمال للبرنامج أو حضور رمزي على أحد المسارح، بل أن يكون شريكًا أساسيًا في صناعة المهرجان. يجب إنتاج أعمال أردنية كبرى تحمل هوية المكان، وتقديم المسرح الأردني، ودعم الموسيقيين والفرق الشعبية والشعراء والتشكيليين والمبدعين الشباب.


إن مهرجان جرش لا ينبغي أن يكون سوقًا لاستضافة النجوم فقط، بل مصنعًا للنجوم والمشروعات الثقافية الأردنية، ومنصةً تنطلق منها أعمالنا إلى العالم العربي.


كذلك، لا يمكن الحديث عن مهرجان جرش من دون مدينة جرش وأهلها. فالمدينة ليست ممرًا إلى المسارح الأثرية، وأهلها ليسوا متفرجين على حدث يقام في مدينتهم. المطلوب أن يصبح المهرجان مشروعًا تنمويًا متكاملًا تستفيد منه الأسواق والمطاعم والفنادق والحرفيون والشباب والجمعيات المحلية، وأن تمتد فعالياته إلى شوارع المدينة وساحاتها ومواقعها الثقافية والسياحية.


حين يشعر أبناء جرش بأن المهرجان مهرجانهم، وأنه يخلق فرصًا حقيقية لهم، فإنهم سيصبحون خط الدفاع الأول عنه وشركاء في نجاحه.


ولا بد أيضًا من إعادة بناء الخطاب الإعلامي للمهرجان. فالإعلام ليس مؤتمرًا صحفيًا وإعلانات متناثرة، بل هو جزء أساسي من صناعة الصورة والهوية والجمهور. يحتاج جرش إلى خطة إعلامية تبدأ قبل أشهر من انطلاقه، وإلى محتوى يوثق تاريخه وإنجازاته، ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة، ويخاطب الجمهور العربي والدولي بلغات وأساليب حديثة.


ومن الضروري أن تخضع كل دورة لتقييم مهني مستقل يجيب بوضوح عن أسئلة أساسية: ماذا تحقق؟ كم بلغ عدد الحضور؟ ما حجم العائد الاقتصادي والسياحي؟ ما نصيب الفنان الأردني؟ وما الأثر الثقافي والإعلامي الذي تركته الدورة؟


فالمال العام والمسؤولية الوطنية يفرضان الشفافية، والنجاح لا يُقاس بعدد الدعوات الرسمية أو بصور الافتتاح، بل بالأثر الذي يبقى بعد إسدال الستار.


يا دولة الرئيس،


مهرجان جرش لا يحتاج إلى مراسم إنعاش مؤقتة، بل إلى مشروع وطني يعيد بناءه على أسس جديدة. نريد مهرجانًا مستقل القرار، محترف الإدارة، واضح الهوية، أردني الجذور، عربي الحضور، عالمي الطموح.


لقد قدم الأردن لهذا المهرجان الكثير، ومن حق الأردن اليوم أن يستعيد مهرجانه كما عرفه: مساحةً للفرح والجمال، ومنبرًا للفكر والإبداع، وجسرًا للتواصل بين الشعوب، وواجهةً حضاريةً للدولة الأردنية.


إن حماية مهرجان جرش ليست دفاعًا عن حفلات تقام في الصيف، بل دفاع عن جزء من ذاكرة الوطن وصورته الثقافية. والتاريخ لن يسأل من افتتح الدورة ومن جلس في الصف الأول، بل سيسأل: من أنقذ هذا المنجز حين كان مهددًا بفقدان هويته؟


الفرصة ما تزال قائمة يا دولة الرئيس، لكن الإنقاذ يحتاج إلى قرار شجاع يحرر المهرجان من البيروقراطية، ويضعه في أيدي الخبرة والكفاءة، ويعيد إليه هيبته التي يستحقها.


الكاتب المهندس

خلدون عتمة


مواضيع قد تهمك