اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. مثقال القرالة : رسالة ولي العهد: المواطن أولاً.. والإنجاز هو المعيار

د. مثقال القرالة : رسالة ولي العهد: المواطن أولاً.. والإنجاز هو المعيار
أخبارنا :  

حمل ترؤس سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد ونائب جلالة الملك حفظه الله، جانباً من جلسة مجلس الوزراء يوم أمس، في توقيته ومضامينه دلالات تتجاوز حدود الاجتماع نفسه. ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، واقتصاد يتأثر مباشرة بما يجري حول الأردن، جاءت الرسالة واضحة «الدولة لا تستطيع أن تنتظر حتى تتضح الأزمات، والحكومة مطالبة بأن تتحرك قبل أن تتحول التحديات إلى أعباء على المواطن. ولهذا ركز سموه على تسريع العمل، وفعالية سلاسل التوريد، والحفاظ على مخزون استراتيجي، ووضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات. والقراءة الأعمق لهذه التوجيهات تكشف أن القضية ليست في ملف اقتصادي هنا أو قطاع خدمي هناك، وإنما في طريقة إدارة المرحلة. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لا يستطيع عزل اقتصاده عن الأزمات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يقلل آثارها من خلال الاستباق والاستعداد ورفع قدرة مؤسساته على التعامل مع المتغيرات. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي، فالأمن الاقتصادي اليوم أصبح جزءاً من الأمن الوطني، والقدرة على تأمين احتياجات المواطنين في أوقات الاضطراب ليست مسألة تجارية فقط، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية استقرار المجتمع.

وفي المقابل، فإن توجيه سمو ولي العهد للحكومة بمتابعة جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في فتح آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع مختلف دول العالم يحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية وهي الدبلوماسية الأردنية يجب أن تجد طريقها إلى الاقتصاد. فالزيارات واللقاءات والشراكات لا ينبغي أن تبقى في إطارها السياسي، وإنما المطلوب أن تتحول إلى استثمارات، وأسواق جديدة، ومشاريع، وفرص عمل، وشراكات حقيقية يستفيد منها الاقتصاد الأردني والمواطن. وهذا هو جوهر الانتقال من العلاقات الدولية بوصفها نشاطاً سياسياً إلى توظيفها كأداة للتنمية الاقتصادية. ويتزامن ذلك مع الجولة الخارجية لجلالة الملك التي تشمل فرنسا والتشيك والولايات المتحدة. أما السياحة، فإن الإشارة إلى ضرورة النهوض بها ومعالجة تحدياتها الإدارية والتسويقية، فتتجاوز فكرة زيادة أعداد الزوار إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية تحويل المقومات السياحية الأردنية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. فالأردن يمتلك البترا ووادي رم والبحر الميت والمواقع الدينية والتاريخية والطبيعية، لكن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك هذه المقومات، بل في القدرة على إدارتها وتسويقها وربطها بالنقل والاستثمار والخدمات، بحيث تتحول السياحة إلى نشاط اقتصادي ممتد الأثر يصل إلى المحافظات والمجتمعات المحلية ويوفر فرصاً حقيقية للشباب. وقد أكد سمو ولي العهد ضرورة معالجة التحديات الإدارية والتسويقية التي تواجه القطاع.

والأهم في كل ذلك أن عبارة «مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات» ليست جملة عابرة إذا ما ترجمت إلى معيار لقياس أداء الحكومة. فنجاح السياسات يقاس بما ينتج عنها من أثر ملموس في حياة الناس. هل تحسنت فرص العمل؟ هل أصبحت الخدمات أكثر كفاءة؟ هل تراجعت كلفة المعيشة؟ هل أصبح الاستثمار أسهل؟ وهل يشعر المواطن بأن الدولة تتحرك بسرعة عندما تظهر مشكلة تمس حياته اليومية؟ هنا تحديداً يصبح المواطن ليس متلقياً لنتائج السياسات، بل معياراً لنجاحها. ومن هذه الزاوية، فإن لقاء ولي العهد بالحكومة يعكس أيضاً أهمية الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ. فالأردن يمتلك خططاً ورؤى وبرامج، لكن التحدي الأكبر دائماً يكمن في التنفيذ، وفي تحويل الأهداف العامة إلى برامج محددة، ومسؤوليات واضحة، وجداول زمنية، ومؤشرات قابلة للقياس. وهذا المعنى ينسجم مع تأكيد رئيس الوزراء خلال الجلسة مواصلة الحكومة تنفيذ المشاريع الوطنية الأساسية المدرجة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي وما يجعل هذه الرسائل ذات دلالة أعمق أنها تأتي في سياق نهج هاشمي اعتدناه في إدارة شؤون الدولة وهي أن تبقى الدولة قريبة من المواطن، وأن تتقدم المسؤولية على المنصب، وأن تكون متابعة أحوال الناس جزءاً من صميم العمل العام. وهو نهج يمكن قراءة امتداده عبر التجربة الهاشمية، من الشريف الحسين بن علي والملك المؤسس عبدالله الأول، مروراً بالملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده؛ حيث بقي الإنسان الأردني حاضراً في جوهر فكرة الدولة ورسالتها.

وفي المحصلة، فإن الرسالة الأهم في لقاء سمو ولي العهد بالحكومة بأن المرحلة نفسها تفرض نمطاً مختلفاً من العمل الحكومي وهي سرعة في الاستجابة، واستباقاً للمخاطر، وربطاً بين السياسة والاقتصاد، وتحويل الفرص الخارجية إلى مكاسب داخلية، وقياساً مستمراً للأثر الذي يصل إلى المواطن. فالدولة القوية ليست التي لا تواجه الأزمات، وإنما التي تعرف كيف تستعد لها، وكيف تحوّل موقعها وتحدياتها إلى فرص، وكيف تجعل من كل حركة سياسية أو اقتصادية خارج حدودها قيمة مضافة داخل حدودها. وهذه هي الرسالة التي يمكن قراءتها خلف توجيهات ولي العهد أن يبقى المواطن هو نقطة البداية، وأن يكون الإنجاز هو معيار العمل، وأن تتحول الخطط إلى نتائج، والفرص إلى مشاريع، والسياسات إلى أثر يلمسه الأردني في حياته اليومية.


مواضيع قد تهمك